أبي حيان الأندلسي

240

البحر المحيط في التفسير

هنا ، من أنه أطلق البر ، وهو المصدر ، على من وقع منه على سبيل المبالغة ، أو فيه حذف من الأوّل ، أي : ذا البرّ ، ومن الثاني أي : بر من آمن . وتقدّم الترجيح في ذلك . وهذه الآية كأنها مختصرة من تلك لأن هناك عدّ أوصافا كثيرة من الإيمان باللّه إلى سائر تلك الأوصاف ، وقال في آخرها : أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ « 1 » وقال هنا : وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى والتقوى لا تحصل إلّا بحصول تلك الأوصاف ، فأحال هنا على تلك الأوصاف ضمنا إذ جاء معها : هو المتقي . وقرأ نافع ، وابن عامر بتخفيف : ولكنّ ، ورفع : البرّ ، والباقون بالتشديد والنصب . وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها تفسيرها : يتفرّغ على الأقوال التي تقدّمت في قوله : وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها . وَاتَّقُوا اللَّهَ : أمر باتقاء اللّه ، وتقدمت جملتان خبريتان وهما وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى فعطف عليهما جملتان أمريتان الأولى راجعة للأولى ، والثانية راجعة للثانية ، وهذا من بديع الكلام . ولما كان ظاهر قوله : من اتقى ، محذوف المفعول ، نص في قوله : واتقوا اللّه ، على من يتقي ، فاتضح في الأول أن المعنى من اتقى اللّه . لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ظاهره التعلق بالجملة الأخيرة ، وهي قوله وَاتَّقُوا اللَّهَ لأن تقوى اللّه هو إجماع الخير من امتثال الأوامر ، واجتناب النواهي ، فعلق التقوى برجاء الفلاح ، وهو الظفر بالبغية . وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الآية . قال ابن عباس : نزلت لما صدّ المشركون رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عام الحديبية ، وصالحوه على أن يرجع من قابل فيحلوا له مكة ثلاثة أيام ، فرجع لعمرة القضاء ، وخاف المسلمون أن لا تفي لهم قريش ، ويصدوهم ، ويقاتلوهم في الحرم وفي الشهر الحرام ، وكرهوا ذلك ، فنزلت . وأطلق لهم قتال الذين يقاتلونهم منهم في الحرم وفي الشهر الحرام ، ورفع عنهم الجناح في ذلك ، وبذكر هذا السبب ظهرت مناسبة هذه الآية لما قبلها ، لأن ما قبلها متضمن شيئا من متعلقات الحج ، ويظهر أيضا أن المناسب هو : أنه لما أمر تعالى بالتقوى ، وكان أشدّ أقسام التقوى وأشقها على النفس قتال

--> ( 1 ) سورة البقرة : 2 / 177 .