أبي حيان الأندلسي

237

البحر المحيط في التفسير

المساقاة تجوز على الأجل المجهول سنين غير معلومة ، ودليل على من أجاز البيع إلى الحصاد أو الدراس أو للغطاس وشبهه وهو : مالك ، وأبو ثور ، وأحمد ؛ وكذلك إلى قدوم الغزاة وروي عن ابن عباس منعه ، وبه قال الشافعي ، ودليل على عدم اعتبار وصف الهلال بالكبر أو الصغر لأنه يقال : ما فصل ، فسواء رئي كبيرا أو صغيرا ، فإنه لليلة التي رئي فيها . وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى . قال البراء بن عازب ، والزهري ، وقتادة : سبب نزولها أن الأنصار كانوا إذا حجوا واعتمروا يلتزمون شرعا أن لا يحول بينهم وبين السماء حائل ، فكانوا يتسنمون ظهور بيوتهم على الجدران ، وقيل : كانوا في الجاهلية وفي بدء الإسلام إذا أحرم أحدهم بحج أو عمرة لم يأت حائطا ، ولا بيتا ، ولا دارا من بابه ، فإن كان من أهل المدينة نقب في ظهر بيته نقبا بدخل منه ويخرج ، أو ينصب سلما ، يصعد منه ، وإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخيمة والفسطاط ، ولا يدخل ولا يخرج من الباب حتى يحل إحرامه ، ويرون ذلك برا إلّا أن يكون ذلك من الحمس ، وهم : قريش ، وكنانة ، وخزاعة ، وثقيف ، وخثعم ، وبنو عامر بن صعصعة ، وبنو نصر بن معاوية . فدخل النبي صلى اللّه عليه وسلم ومعه رجل منهم ، فوقف ذلك الرجل وقال : إني أحمس ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « وأنا أحمس » . فنزلت . ذكر هذا مختصرا السدي . و روى الربيع أن النبي صلى اللّه عليه وسلم دخل وخلفه رجل من الأنصار ، فدخل وخرق عادة قومه ، فقال له النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لم دخلت وأنت قد أحرمت » ؟ قال : دخلت أنت فدخلت بدخولك . فقال له النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إني أحمس ، إني من قوم لا يدينون بذلك » . فقال الرجل : وأنا ديني دينك فنزلت . وقال إبراهيم : كان يفعل ما ذكر قوم من أهل الحجاز ، وقيل : كان الخارج لحاجة لا يعود من بابه مخافة التطير بالخيبة ، ويبقى كذلك حولا كاملا . وملخص هذه الأسباب أن اللّه تعالى أنزل هذه الآية رادا على من جعل إتيان البيوت من ظهورها برا ، آمرا بإتيان البيوت من أبوابها ، وهذه أسباب تضافرت على أن البيوت أريد بها الحقيقة ، وأن الإتيان هو المجيء إليها ، والحمل على الحقيقة أولى من ادعاء المجاز مع مخالفة ما تضافرت من هذه الأسباب . ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه لما ذكر أن الأهلة مواقيت للحج استطرد إلى ذكر شيء كانوا يفعلونه في الحج زاعمين أنه من البر ، فبين لهم أن ذلك ليس من البر ، وإنما جرت