أبي حيان الأندلسي
223
البحر المحيط في التفسير
كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ أي : مثل ذلك البيان الذي سبق ذكره في ذكر أحكام الصوم وما يتعلق به في الألفاظ اليسيرة البليغة يبين آياته الدالة على بقية مشروعاته ، وقال أبو مسلم : المراد بالآيات : الفرائض التي بينها ، كأنه قال كذلك يبين اللّه للناس ما شرعه لهم ليتقوه بأن يعملوا بما أنزل . انتهى كلامه . وهذا لا يتأتى إلّا على اعتقاد أن تكون الكاف زائدة وأما إن كانت للتشبيه فلا بد من مشبه ومشبه به . لِلنَّاسِ : ظاهره العموم وقال ابن عطية : معناه خصوص فيمن يسره اللّه للهدى ، بدلالة الآيات التي يتضمن إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ * « 1 » انتهى كلامه ولا حاجة إلى دعوى الخصوص ، بل اللّه تعالى يبين آياته للناس ويوضحها لهم ، ويكسيها لهم حتى تصير حلية واضحة ، ولا يلزم من تبينها تبين الناس لها ، لأنك تقول : بينت له فما بين ، كما تقول : علمته فما تعلم . ونظر ابن عطية إلى أن معنى يبين ، يجعل فيهم البيان ، فلذلك ادّعى أن المعنى على الخصوص ، لأن اللّه تعالى كما جعل في قوم الهدى ، جعل في قوم الضلال ، فعلى هذا المفهوم يلزم أن يرد الخصوص على ما قررناه يبقى على دلالته الوضعية من العموم ، وعلى تفسيرنا التبيين يكون ذلك إجماعا منا ومن المعتزلة ، وعلى تفسيره ينازع فيه المعتزلين . لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ قد تقدم أنه حيث ذكر التقوى فإنه يكون عقب أمر فيه مشقة ، وكذلك جاء هنا لأن منع الإنسان من أمر مشتهى بالطبع اشتهاء عظيما بحيث هو ألذ ما للإنسان من الملاذ الجسمانية شاق عليه ذلك ولا يحجزه عن معاطاته إلّا التقوى ، فلذلك ختمت هذه الآية بها أي : هم على رجاء من حصول التقوى لهم بالبيان الذي بين اللّه لهم . وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ قال مقاتل : نزلت في امرئ القيس بن عابس الكندي ، وفي عدان بن أشوع الحضرمي اختصما إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في أرض ، وكان امرؤ القيس المطلوب ، وعدان الطالب ، فأراد امرؤ القيس أن يحلف ، فنزلت ، فحكم عدان في أرضه ولم يخاصمه . ومناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة ، وذلك أن من يعبد اللّه تعالى بالصيام فحبس نفسه عما تعوّده من الأكل والشرب والمباشرة بالنهار ، ثم حبس نفسه بالتقييد في مكان تعبد اللّه تعالى صائما له ، ممنوعا من اللذة الكبرى بالليل والنهار جدير أن لا يكون مطعمه ومشربه
--> ( 1 ) سورة الرعد : 12 / 27 ، وسورة فاطر : 35 / 8 .