أبي حيان الأندلسي
205
البحر المحيط في التفسير
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ . . . لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ وقبله وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ ثم قال : لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ لأن الصيام والقصاص من أشق التكاليف ، وكذا يجيء أسلوب القرآن فيما هو شاق وفيما فيه ترخيص أو ترقية ، فينبغي أن يلحظ ذلك حيث جاء فإنه من محاسن علم البيان . وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ سبب النزول فيما قال الحسن : أن قوما ، قيل : اليهود ، وقيل : المؤمنون ، قالوا للنبي صلى اللّه عليه وسلم : أقريب ربنا فنناجيه ، أم بعيد فنناديه . وقال عطاء : لما نزل . وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ « 1 » قال قوم : في أي ساعة ندعو ؟ فنزل وَإِذا سَأَلَكَ ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه تعالى لما تضمن قوله : وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ طلب تكبيره وشكره بيّن أنه مطلع على ذكر من ذكره وشكر من شكره ، يسمع نداءه ويجيب دعاءه أو رغبته ، تنبيها على أن يكون ولا بد مسبوقا بالثناء الجميل . والكاف في : سألك ، خطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، وإن لم يجر له ذكر في اللفظ لكن في قوله الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ أي على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فكأنه قيل : أنزل عليك فيه القرآن ، فجاء هذا الخطاب مناسبا لهذا المحذوف . و : عبادي ، ظاهره العموم ، وقيل : أريد به الخصوص : إما اليهود وإما المؤمنون على الخلاف في السبب ، واما عبادي . و : عني ، فالضمير فيه للّه تعالى ، وهو من باب الالتفات ، لأنه سبق و : لتكبروا اللّه ، فهو خروج من غائب إلى متكلم ، و : عني ، متعلق بسألك ، وليس المقصود هنا عن ذاته لأن الجواب وقع بقوله : فإني قريب ، والقرب المنسوب إلى اللّه تعالى يستحيل أن يكون قربا بالمكان ، وإنما القرب هنا عبارة عن كونه تعالى سامعا لدعائه ، مسرعا في إنجاح طلب من سأله ، فمثل حالة تسهيله ذلك بحالة من قرب مكانه ممن يدعوه ، فإنه لقرب المسافة يجيب دعاءه . ونظير هذا القرب هنا قوله تعالى : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ « 2 » وما روي من قوله عليه السلام : « هو بينكم وبين أعناق رواحلكم » . والفاء في قوله : فإني قريب ، جواب إذا ، وثم قول محذوف تقديره : فقل لهم إني قريب ، لأنه لا يترتب على الشرط القرب ، إنما يترتب الإخبار عن القرب . أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ أجيب : إما صفة لقريب ، أو خبر بعد خبر ، وروعي الضمير في : فإني ، فلذلك جاء أجيب ، ولم يراع الخبر فيجيء : يجيب ، على طريقة
--> ( 1 ) سورة غافر : 40 / 60 . ( 2 ) سورة ق : 50 / 16 .