أبي حيان الأندلسي

196

البحر المحيط في التفسير

وقرأ ابن كثير القرآن بنقل حركة الهمزة إلى الراء ، وحذف الهمزة ، وذلك في جميع القرآن سواء نكر أم عرف بالألف واللام ، أو بالإضافة ، وهذا المختار من توجيه قراءته ، وقد تقدّم قول من قال : ان النون فيه مع عدم الهمز أصلية من قرنت الشيء في الشيء ضممته . هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ انتصاب : هدى ، على الحال وهو مصدر وضع موضع اسم الفاعل ، أي : هاديا للناس ، فيكون : للناس ، متعلقا بلفظ : هدى ، لما وقع موقع هاد ، وذو الحال القرآن ، والعامل : أنزل ، وهي حال لازمة ، لأن كون القرآن هدى هو لازم له ، وعطف قوله : وبينات ، على : هدى ، فهو حال أيضا ، وهي لازمة ، لأن كون القرآن آيات جليات واضحات وصف ثابت له ، وهو من عطف الخاص على العام ، لأن الهدى : منه خفي ومنه جلي ، فنص بالبينات على الجلي من الهدى ، لأن القرآن مشتمل على المحكم والمتشابه ، والناسخ والمنسوخ ، فذكر عليه أشرف أنواعه ، وهو الذي يتبين الحلال والحرام والموعظة . مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ هذا في موضع الصفة لقوله : هدى وبينات ، أي : أن كون القرآن هدى وبينات هو من جملة هدى اللّه وبيناته ، والهدى والفرقان يشمل الكتب الإلهية ، فهذا القرآن بعضها ، وعبر عن البينات بالفرقان ، ولم يأت من الهدى والبينات فيطابق العجز الصدر لأن فيه مزيد معنى لازم للبينات ، وهو كونه يفرق به بين الحق والباطل ، فمتى كان الشيء جليا واضحا حصل به الفرق ، ولأن في لفظ : الفرقان ، مؤاخاة للفاصلة قبله ، وهو قوله : شَهْرُ رَمَضانَ ثم قال : الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ، ثم قال : هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فحصل بذلك تواخي هذه الفواصل ، فصار الفرقان هنا أمكن من البينات من حيث اللفظ ومن حيث المعنى ، كما قررناه . ولا يظهر هنا ما قاله بعض الناس من أن الهدى والفرقان أريد به القران ، لأن الشيء لا يكون بعض نفسه ، وفي ( المنتخب ) أنه يحتمل أن يحمل : هدى الأول على أصول الدين ، والثاني على فروعه . وقال ابن عطية : اللام في الهدى للعهد ، والمراد الأول . انتهى كلامه . يعني : أنه أتى به منكرا أولا ، ثم أتى به معرفا ثانيا ، فدل على أنه الأول كقوله تعالى : كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ « 1 » فمعلوم أن الرسول الذي عصاه فرعون هو الرسول الذي أرسل إليه ، ومن ذلك قولهم : لقيت رجلا فضربت الرجل ، فالمضروب هو

--> ( 1 ) سورة المزمل : 73 / 15 و 16 .