أبي حيان الأندلسي

161

البحر المحيط في التفسير

ويكون جواب الشرط الثاني محذوفا يدل عليه جواب الشرط الأول المحذوف ، فيكون المحذوف دل على محذوف ، والشرط الثاني شرط في الأول ، فلذلك يقتضي أن يكون متقدّما في الوجود ، وإن كان متأخرا لفظا . واجتماع الشرطين غير مجعول الثاني جوابا للأول بالفاء من أصعب المسائل النحوية ، وقد أوضحنا الكلام على ذلك واستوفيناه فيه في ( كتاب التكميل ) من تأليفنا ، فيؤخذ منه . وقيل : جواب الشرطين محذوف ويقدر من معنى كتب عليكم الوصية ويتجوز بلفظ : كتب ، عن لفظ : يتوجه إيجاب الوصية عليكم . حتى يكون مستقبلا فيفسر الجواب ، لأن مستقبل ، وعلى هذا التقدير يجوز أن يكون إذا ظرفا محضا لا شرطا ، فيكون إذ ذاك العامل فيها : كتب ، على هذا التقدير ، ويكون جواب : إِنْ تَرَكَ خَيْراً محذوفا يدل عليه : كتب ، على هذا التقدير ، ولا يجوز عند جمهور النحاة أن يكون إذا معمولا للوصية لأنها مصدر وموصول ، ولا يتقدّم معمول الموصول عليه ، وأجاز ذلك أبو الحسن لأنه يجوز عنده أن يتقدّم المعمول إذا كان ظرفا على العامل فيه إذا لم يكن موصولا محضا ، وهو عنده المصدر ، والألف واللام في نحو : الضارب والمضروب ، وهذا الشرط موجود هنا ، وإلى هذا ذهب في قوله . أبعلي هذا بالرحى المتقاعس فعلق : بالرحى ، بلفظ : المتقاعس . وقال أبو محمد بن عطية : ويتجه في إعراب هذه الآية أن يكون : كتب ، هو العامل في : إذا ، والمعنى : توجه إيجاب اللّه عليكم مقتضى كتابه إذا حضر ، فعبر عن توجيه الإيجاب : بكتب ، ليتنظم إلى هذا المعنى أنه مكتوب في الأزل ، والوصية مفعول لم يسم فاعله بكتب ، وجواب الشرطين : إذا وإن ، مقدر يدل عليه ما تقدّم من قوله : كُتِبَ عَلَيْكُمْ كما تقول : شكرت فعلك إن جئتني إذا كان كذا . انتهى كلامه . وفيه تناقض لأنه قال : العامل في إذا : كتب ، وإذا كان العامل فيها كتب تمحضت للظرفية ولم تكن شرطا ، ثم قال : وجواب الشرطين : إذا وإن مقدّر يدل عليه ما تقدّم إلى آخر كلامه ، وإذا كانت إذا شرطا فالعامل فيها إما الجواب ، وإما الفعل بعدها على الخلاف الذي في العامل فيها ، ولا يجوز أن يكون العامل فيها ما قبلها إلّا على مذهب من يجيز تقديم جواب الشرط عليه ، ويفرع على أن الجواب هو العامل في : إذا .