أبي حيان الأندلسي
156
البحر المحيط في التفسير
التقوى في المحافظة على القصاص والحكم به ، وهو خطاب له فضل اختصاص بالأئمة أقوال خمسة ، أولاها ما سيقت له الآية من مشروعية القصاص . كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ الآية . مناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة ، وذلك أنه لما ذكر تعالى القتل في القصاص ، والدية ، أتبع ذلك بالتنبيه على الوصية ، وبيان أنه مما كتبه اللّه على عباده حتى يتنبه كل أحد فيوصي مفاجأة الموت ، فيموت على غير وصية ، ولا ضرورة تدعو إلى أن : كتب ، أصله : العطف على . كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى و كُتِبَ عَلَيْكُمُ وان الواو حذفت للطول ، بل هذه جملة مستأنفة ظاهرة الارتباط بما قبلها ، لأن من أشرف على أن يقتص منه فهو بعض من حضره الموت ، ومعنى حضور الموت أي : حضور مقدماته وأسبابه من العلل والأمراض والأعراض المخوفة ، والعرب تطلق على أسباب الموت موتا على سبيل التجوز . وقال تعالى : وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ « 1 » وقال عنترة . وان الموت طوع يدي إذا ما * وصلت بنانها بالهندوان وقال جرير . انا الموت الذي حدثت عنه * فليس لهارب مني نجاء وقال غيره . وقل لهم بادروا بالعذر والتمسوا * قولا يبرئكم : إني أنا الموت والخطاب في : عليكم ، للمؤمنين مقيدا بالإمكان على تقدير التجوز في حضور الموت ، ولو جرى نظم الكلام على خطاب المؤمنين لكان : إذا حضركم الموت ، لكنه روعيت دلالة العموم في : عليكم ، من حيث المعنى ، إذ المعنى : كتب على كل واحد منكم ، ثم أظهر ذلك المضمر ، إذ كان يكون إذا حضره الموت ، فقيل : إذا حضر أحدكم ، ونظير مراعاة المعنى في العموم قول الشاعر : ولست بسائل جارات بيتي * أغياب رجالك أم شهود فأفرد الضمير في رجالك لأنه رعى معنى العموم ، إذ المعنى ولست بسائل كل جارة من جارات بيتي ، فجاء قوله : أغياب رجالك ، على مراعاة هذا المعنى . وهذا شيء غريب مستطرف من علم العربية .
--> ( 1 ) سورة إبراهيم : 14 / 17 .