أبي حيان الأندلسي
151
البحر المحيط في التفسير
فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ . ارتفاع اتباع على أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي : فالحكم ، أو الواجب كذا قدره ابن عطية ، وقدره الزمخشري : فالأمر اتباع ، وجوز أيضا رفعه بإضمار فعل تقديره : فليكن اتباع ، وجوّزوا أيضا أن يكون مبتدأ محذوف الخبر وتقديره : فعلى الولي اتباع القاتل بالدية ، وقدروه أيضا متأخرا تقديره ، فاتباع بالمعروف عليه . قال ابن عطية بعد تقديره : فالحكم أو الواجب اتباع ، وهذا سبيل الواجبات ، كقوله فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ « 1 » وأما المندوب إليه فيأتي منصوبا كقوله : فَضَرْبَ الرِّقابِ « 2 » انتهى . ولا أدري هذه التفرقة بين الواجب والمندوب إلّا ما ذكروا من أن الجملة الابتدائية أثبت وآكد من الجملة الفعلية في مثل قوله : قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ * « 3 » فيمكن أن يكون هذا الذي لحظه ابن عطية من هذا . وأما إضمار الفعل الذي قدره الزمخشري : فليكن ، فهو ضعيف إذ : كان ، لا تضمر غالبا إلّا بعد أن الشرطية ، أو : لو ، حيث يدل على إضمارها الدليل ، و بِالْمَعْرُوفِ متعلق بقوله : فاتباع ، وارتفاع : وَأَداءٌ لكونه معطوفا على اتباع ، فيكون فيه من الإعراب ما قدروا في : فاتباع ، ويكون بإحسان متعلقا بقوله : وأداء ، وجوزوا أن يكون : وأداء ، مبتدأ ، وبإحسان ، هو الخبر ، وفيه بعد . والفاء في قوله : فاتباع ، جواب الشرط إن كانت من شرطا ، والداخلة في خبر المبتدأ إن كانت من موصولة ، فإن كانت من : كناية عن القاتل وأخوه : كناية عن الولي ، وهو الظاهر ، فتكون الجملة توصية للمعفو عنه والعافي يحسن القضاء من المؤدي ، وحسن التقاضي من الطالب ، وإن كان الأخ كناية عن المقتول كانت الهاء في قوله : وأداء إليه ، عائدة على ما يفهم من يصاحب يوجه ما ، لأن في قوله : عفى ، دلالة على العافي فيكون نظير قوله : حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ « 4 » إذ في العشي دلالة على مغيب الشمس ، وقول الشاعر : لك الرجل الحادي وقد منع الضحى * وطير المنايا فوقهن أواقع أي : فوق الإبل ، لأن في قوله : الحادي ، دلالة عليهن ، وإن كانت من كناية عن القاتل فيكون أيضا توصية له وللولي بحسن القضاء والتقاضي ، أي : فاتباع من الولي
--> ( 1 ) سورة البقرة : 2 / 229 . ( 2 ) سورة محمد : 47 / 4 . ( 3 ) سورة هود : 11 / 69 . ( 4 ) سورة ص : 38 / 32 .