أبي حيان الأندلسي
137
البحر المحيط في التفسير
ولا يحتاج إلى تقدير هذا المضاف لصدق : آتيت زيدا مالا ، وإن لم يباشر هو الأخذ بنفسه بل بوكيله . وَابْنَ السَّبِيلِ : الضيف ، قاله قتادة ، وابن جبير ، والضحاك ، ومقاتل ، والفراء ، وابن قتيبة ، والزجاج ؛ أو المسافر يمرّ عليك من بلد إلى بلد ، قاله مجاهد ، وقتادة أيضا ، والربيع بن أنس . وسمي : ابن السبيل بملازمته السبيل ، وهو الطريق ، كما قيل لطائر يلازم الماء ابن ماء ، ولمن مرت عليه دهور : ابن الليالي والأيام . وقيل : سمي ابن سبيل لأن السبيل تبرزه ، شبه إبرازها له بالولادة ، فأطلقت عليه البنوّة مجازا والمنقطع في بلد دون بلده ، وبين البلد الذي انقطع فيه وبين بلده مسافة بعيدة ، قاله أبو حنيفة ، وأحمد ، وابن جرير ، وأبو سليمان الدمشقي ، والقاضي أبو يعلى ؛ أو الذي يريد سفرا ولا يجد نفقة ، قاله الماوردي ، وغيره عن الشافعي . والسائلون : هم المستطعمون ، وهو الذي تدعوه الضرورة إلى السؤال في سدّ خلته ، إذ لا تباح له المسألة إلّا عند ذلك . ومن جعل إيتاء المال لهؤلاء ليس هو الزكاة ، أجاز ايتاءه للمسلم والكافر ، وقد ورد في الحديث ما يدل على ذم السؤال ويحمل على غير حال الضرورة . و الرِّقابِ : هم المكاتبون يعانون في فك رقابهم ، قاله عليّ وابن عباس ، والحسن ، وابن زيد ، والشافعي . أو : عبيد يشترون ويعتقون ، قاله مجاهد ، ومالك ، وأبو عبيد ، وأبو ثور . وروي عن أحمد القولان السابقان . أو : الأسارى يفدون وتفك رقابهم من الأسر ؛ وقيل : هؤلاء الأصناف الثلاثة ، وهو الظاهر . فإن كان هذا الإيتاء هو الزكاة فاختلفوا ، فقيل : لا يجوز إلّا في إعانة المكاتبين ، وقيل : يجوز في ذلك ، وفيمن يشتريه فيعتقه . وإن كان غير الزكاة فيجوز الأمران ، وجاء هذا الترتيب فيمن يؤتي المال تقديما ، الأولى فالأولى ، لأن الفقير القريب أولى بالصدقة من غيره للجمع فيها بين الصلة والصدقة ، ولأن القرابة من أوكد الوجوه في صرف المال إليها ، ولذلك يستحق بها الإرث ، فلذلك قدّم ثم أتبع باليتامى لأنه منقطع الحيلة من كل الوجوه