أبي حيان الأندلسي
126
البحر المحيط في التفسير
سمعهم ، وعلى أبصارهم ، وأنهم صم بكم عمي فهم لا يعقلون . واختلف في إعراب ذلك فقيل : هو منصوب بفعل محذوف تقديره : فعلنا ذلك ، وتكون الباء في بأن اللّه متعلقة بذلك الفعل المحذوف . وقيل : مرفوع ، واختلفوا ، أهو فاعل ، والتقدير : وجب ذلك لهم ؟ أم خبر مبتدأ محذوف ، التقدير : الأمر ذلك ؟ أي ما وعدوا به من العذاب بسبب أن اللّه نزل الكتاب بالحق . فاختلفوا ، أم مبتدأ ، والخبر قوله : بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ ؟ أي ذلك مستقر ثابت بأن اللّه نزل الكتاب بالحق ، ويكون ذلك إشارة إلى أقرب مذكور ، وهو العذاب ، ويكون الخبر ليس مجرد تنزيل اللّه الكتاب بالحق ، بل ما ترتب على تنزيله من مخالفته وكتمانه ، وأقام السبب مقام المسبب . والتفسير المعنوي : ذلك العذاب حاصل لهم بكتمان ما نزل اللّه من الكتاب المصحوب بالحق ، أو الكتاب الذي نزله بالحق . وقال الأخفش : الخبر محذوف تقديره : ذلك معلوم بأن اللّه ، فيتعلق الباء بهذا الخبر المقدر ، والكتاب التوراة والإنجيل ، أو القرآن ، أو كتب اللّه المنزلة على أنبيائه ، أو ما كتب عليهم من الشقاوة بقوله : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ، فيكون الكتاب بمعنى الحكم والقضاء ، أقوال أربعة . بالحق ، قال ابن عباس : بالعدل . وقال مقاتل : ضد الباطل . وقال مكي : بالواجب ، وحيثما ذكر بالحق فهو الواجب . وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ ، قيل : هم اليهود ، والكتاب : التوراة ، واختلافهم : كتمانهم بعث عيسى ، ثم بعث محمد صلى اللّه عليه وسلم . آمنوا ببعض ، وهو ما أظهروه ، وكفروا ببعض ، وهو ما كتموه . وقيل : هم اليهود والنصارى ، قاله السدي ؛ واختلاف كفرهم بما قصه اللّه تعالى من قصص عيسى وأمه عليهما السلام ، وبإنكار الإنجيل ، ووقع الاختلاف بينهم حتى تلاعنوا وتقاتلوا . وقيل : كفار العرب ، والكتاب : القرآن . قال بعضهم : هو سحر ، وبعضهم : هو أساطير الأولين ، وبعضهم : هو مفترى إلى غير ذلك . وقيل : أهل الكتاب والمشركون . قال أهل الكتاب : إنه من كلام محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وليس هو من كلام اللّه . وقالوا : إنما يعلمه بشر ، وقالوا : دارست ، وقالوا : إن هذا إلا اختلاق ، إلى غير ذلك . وقال المشركون : بعضهم قال : سحر ، وبعضهم : شعر ، وبعضهم : كهانة ، وبعضهم : أساطير ، وبعضهم : افتراء إلى غير ذلك . والظاهر الإخبار عمن صدر منهم الاختلاف فيما أنزل اللّه من الكتاب بأنهم في معاداة وتنافر ، لأن الاختلاف مظنة التباغض والتباين ، كما أن الائتلاف مظنة التحاب والاجتماع . وفي المنتخب : الأقرب ، حمل الكتاب على التوراة والإنجيل اللذين ذكرت البشارة بمحمد صلى اللّه عليه وسلم فيهما ، لأن القوم قد عرفوا ذلك وكتموه ، وعرفوا تأويله . فإذا أورد تعالى ما يجري مجرى العلة في إنزال العقوبة به ،