أبي حيان الأندلسي
12
البحر المحيط في التفسير
خيارا مثل ما هديناكم باتباع محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وما جاء به من الحق . وقيل : المعنى أنه شبه جعلهم أمة وسطا بجعلهم على الصراط المستقيم ، أي جعلناكم أمة وسطا مثل ذلك الجعل الغريب الذي فيه اختصاصكم بالهداية ، لأنه قال : يَهْدِي مَنْ يَشاءُ ، فلا تقع الهداية إلا لمن شاء اللّه تعالى . وقيل : المعنى كما جعلنا قبلتكم خير القبل ، جعلناكم خير الأمم . وقيل : المعنى كما جعلنا قبلتكم متوسطة بين المشرق والمغرب ، جعلناكم أمة وسطا . وقيل : المعنى كما جعلنا الكعبة وسط الأرض ، كذلك جعلناكم أمة وسطا ، دون الأنبياء ، وفوق الأمم ، وأبعد من ذهب إلى أن ذلك إشارة إلى قوله تعالى : وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا « 1 » أي مثل ذلك الاصطفاء جعلناكم أمة وسطا . ومعنى وسطا : عدولا ، روي ذلك عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقد تظاهرت به عبارة المفسرين . وإذا صح ذلك عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وجب المصير في تفسير الوسط إليه . وقيل : خيار ، أو قيل : متوسطين في الدين بين المفرط والمقصر ، لم يتخذوا واحدا من الأنبياء إلها ، كما فعلت النصارى ، ولا قتلوه ، كما فعلت اليهود . واحتج جمهور المعتزلة بهذه الآية على أن إجماع الأمة حجة فقالوا : أخبر اللّه عن عدالة هذه الأمة وعن خيرتهم ، فلو أقدموا على شيء ، وجب أن يكون قولهم حجة . لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ : تقدم شرح الشهادة في قوله : وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ « 2 » ، وفي شهادتهم هنا أقوال : أحدها : ما عليه الأكثر من أنها في الآخرة ، وهي شهادة هذه الأمة للأنبياء على أممهم الذين كذبوهم ، وقد روي ذلك نصا في الحديث في البخاري وغيره . وقال في المنتخب : وقد طعن القاضي في الحديث من وجوه ، وذكروا وجوها ضعيفة ، وأظنه عنى بالقاضي هنا القاضي عبد الجبار المعتزلي ، لأن الطعن في الحديث الثابت الصحيح لا يناسب مذاهب أهل السنة . وقيل : الشهادة تكون في الدنيا . واختلف قائلوا ذلك ، فقيل : المعنى يشهد بعضكم على بعض إذا مات ، كما جاء في الحديث من أنه مر بجنازة فأثنى عليها خيرا ، وبأخرى فأثنى عليها شرّا ، فقال الرسول : « وجبت » ، يعني الجنة والنار ، « أنتم شهداء اللّه في الأرض » ثبت ذلك في مسلم . وقيل : الشهادة الاحتجاج ، أي لتكونوا محتجين على الناس ، حكاه الزّجاج . وقيل : معناه لتنقلوا إليهم ما علمتموه من الوحي والدين كما نقله رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وتكون على بمعنى اللام ، كقوله : وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ « 3 » ، أي للنصب . وقيل : معناه ليكون إجماعكم حجة ،
--> ( 1 ) سورة البقرة : 2 / 130 . ( 2 ) سورة البقرة : 2 / 23 . ( 3 ) سورة المائدة : 5 / 3 .