أبي حيان الأندلسي
119
البحر المحيط في التفسير
عزيمة واجبة ، ولو امتنع من الأكل كان عاصيا . وقال مسروق : بلغني أنه من اضطر إلى الميتة فلم يأكل حتى مات ، دخل النار ، كأنه أشار إلى أنه قاتل نفسه بتركه ما أباح اللّه له . إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ : لما ذكر أشياء محرمة اقتضى المنع منها ، ثم ذكر إباحتها للمضطر في تلك الحال المقيدة له ، أتبع ذلك بالإخبار عن نفسه بأنه تعالى غفور رحيم ، لأن المخاطب بصدد أن يخالف ، فيقع في شيء من أكل هذه المحرمات ، فأخبر بأنه غفور للعصاة إذا تابوا ، رحيم بهم . أو لأن المخاطب ، إذا اضطر فأكل ما يزيد على قدر الحاجة ، فهو تعالى غفور له ذلك ، رحيم بأن أباح له قدر الحاجة . أو لأن مقتضى الحرمة قائم في هذه المحرمات ، ثم رخص في تناولها مع قيام المانع ، فعبر عن هذا الترخيص والإباحة بالمغفرة ، ثم ذكر بعد الغفران صفة الرحمة ، أي لأجل رحمتي بكم أبحت لكم ذلك . . إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ : روي عن ابن عباس أنها نزلت في علماء اليهود ، كانوا يصيبون من سفلتهم هدايا ، وكانوا يرجون أن يكون النبي المبعوث منهم . فلما بعث من غيرهم ، غيروا صفته وقالوا : هذا نعت النبي الذي يخرج في آخر الزمان ، حتى لا يتبعوه . و روي عنه أنه قال : إن الملوك سألوا علماء هم قبل المبعث : ما الذي تجدون في التوراة ؟ فقالوا : نجد أن اللّه يبعث نبيا من بعد المسيح يقال له محمد ، بتحريم الربا والخمر والملاهي وسفك الدماء . فلما بعث ، قالت الملوك لليهود : هذا الذي تجدونه في كتابكم ؟ فقالوا ، طمعا في أموال الملوك : ليس هذا بذلك النبي . فأعطاهم الملوك الأموال ، فأنزلت إكذابا لهم . وقيل : نزلت في كل كاتم حق ، لأخذ غرض أو إقامة غرض من مؤمن ويهودي ومشرك ومعطل . وإن صح سبب نزول ، فهي عامة ، والحكم للعموم . وإن كان السبب خاصا ، فيتناول من علماء المسلمين من كتم الحق مختارا لذلك ، لسبب دنيا يصيبها . ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ : ظاهره أنه أنزل من علو إلى أسفل ، وأنه تعالى أنزل ملكا به ، أي بالكتاب على رسوله . وقيل : معنى أنزل اللّه ، أي أظهر ، كقوله : سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ « 1 » ، أي أظهر . فكون المعنى : أن الذين يكتمون ما أظهر اللّه ، فيكون الإظهار في مقابلة الكتمان . وفي المراد بالكتاب هنا أقوال : أحدها : أنه التوراة ، فيكون الكاتمون أحبار اليهود ، كتموا صفة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وغيروها ، وكتموا آيات في التوراة ، كآية الرجم
--> ( 1 ) سورة الأنعام : 6 / 93 .