أبي حيان الأندلسي

117

البحر المحيط في التفسير

حوالة على هاتين الآيتين ، لأنه قال : وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ . وتفصيل المحرّم هو في هاتين الآيتين ، والاضطرار فيهما مقيد ، فتعين أن يكون مقيدا في الآية التي أحيلت على غيرها . والظاهر في البغي والعدوان ، أن ذلك من قبل المعاصي ، لأنهما متى أطلقتا ، تبادر الذهن إلى ذلك . وفي جواز مقدار ما يأكل من الميتة ، وفي التزوّد منها ، وفي شرب الخمر عند الضرورة قياسا على هذه المحرمات . وفي أكل ابن آدم خلاف مذكور في كتب الفقه ، قالوا : وإن وجد ميتة وخنزيرا ، أكل الميتة ، قالوا : لأنها أبيحت له في حال الاضطرار ، والخنزير لا يحل بحال ، وليس كما قالوا ، لأن قوله : فَمَنِ اضْطُرَّ جاء بعد ذكر تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير . فالمعنى : فمن اضطر إلى أكل شيء من هذه المحرمات ، فرتبتها في الإباحة للأكل منها متساوية ، فليس شيء منها أولى من الآخر بالإباحة ، والمضطر مخير فيما يأكل منها . فقولهم : إن الخنزير لا يحل بحال ليس بصحيح . وذكر بعض المفسرين أنهم أجمعوا على أن من سافر لغزو ، أو حج ، أو تجارة ، وكان مع ذلك باغيا في أخذ مال ، أو عاديا في ترك صلاة أو زكاة ، لم يكن ما هو عليه من البغي والعدوان مانعا من استباحة الميتة للضرورة . وأنهم أجمعوا أيضا على جواز الترخيص للباغي ، أو العادي الحاضر ، وفي نقل هذين الإجماعين نظر . واختلف القراء في حركة النون من قوله : فَمَنِ اضْطُرَّ ، وَأَنِ احْكُمْ « 1 » ، وَلكِنِ انْظُرْ « 2 » ، وشبهه وحركة الدال من : وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ * « 3 » ، والتاء من : وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ « 4 » ، وحركة التنوين من : فَتِيلًا انْظُرْ « 5 » ، ونحوه ، وحركة اللام من نحو : قُلِ ادْعُوا اللَّهَ « 6 » ، والواو من نحو : أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ « 7 » ، فكسر ذلك عاصم وحمزة ، وحركها أبو عمرو ، إلا في اللام والواو ؛ وعباس ويعقوب ، إلا في الواو ؛ وضم باقي السبعة ، إلا ابن ذكوان ، فإنه كسر التنوين . وعنه في : بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا « 8 » ، و خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ « 9 » خلاف ، وضابط هذا أنه يكون ضمة هذه الأفعال لازمة ، فإن كانت عارضة ، فالكسر نحو : أَنِ امْشُوا « 10 » ، وتوجيه الكسر أنه حركة التقاء الساكنين ، والضم أنه اتباع .

--> ( 1 ) سورة المائدة : 5 / 49 . ( 2 ) سورة الأعراف : 7 / 143 . ( 3 ) سورة الأنعام : 6 / 10 . ( 4 ) سورة يوسف : 12 / 31 . ( 5 ) سورة النساء : 4 / 49 - 50 . ( 6 ) سورة الإسراء : 17 / 110 . ( 7 ) سورة الإسراء : 17 / 110 . ( 8 ) سورة الأعراف : 7 / 49 . ( 9 ) سورة إبراهيم : 14 / 26 . ( 10 ) سورة ص : 38 / 6 .