أبي حيان الأندلسي

115

البحر المحيط في التفسير

واختلفوا في الانتفاع بشعره ، في خرز وغيره ، فأجاز ذلك مالك وأبو حنيفة والأوزاعي ، ولم يجز ذلك الشافعي . وقال أبو يوسف : أكره الخرز به . وروي عنه الإباحة أيضا . وهل يتناول لفظ الخنزير خنزير البحر ؟ ذهب إلى ذلك أبو حنيفة وأصحابه ؟ فمنعوا من أكله ؟ وقال ابن أبي ليلى والأوزاعي والشافعي : لا بأس بأكله . وقال الليث : لا يؤكل خنزير الماء ، ولا إنسانه ، ولا كلبه . وسئل مالك عن خنزير الماء ، فتوقف وقال : أنتم تسمونه خنزيرا . وقال ابن القاسم : أنا أتقيه ولا أحرمه . وعلة تحريم لحم الخنزير قالوا : تفرد النصارى بأكله ، فنهى المسلمون عن أكله ، ليكون ذلك ذريعة إلى أن تقاطعوهم ، إذ كان الخنزير من أنفس طعامهم . وقيل : لكونه ممسوخا ، فغلظ تحريم أكله لخبث أصله . وقيل : لأنه يقطع الغيرة ويذهب بالأنفة ، فيتساهل الناس في هتك المحرم وإباحة الزنا ، ولم تشر الآية الكريمة إلى شيء من هذه التعليلات التي ذكروها . وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ أي ما ذبح للأصنام والطواغيت ، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك ، أو ما ذكر عليه اسم غير اللّه ، قاله الربيع بن أنس وغيره ، أو ما ذكر اسم المسيح عليه ، قاله الزهري ، أو ما قصد به غير وجه اللّه تعالى للتفاخر والتباهي ، قاله عليّ والحسن . وروي أن عليا قال في الإبل التي نحرها غالب أبو الفرزدق : إنها مما أهلّ بها لغير اللّه ، فتركها الناس ، راعى على النية في ذلك . ومنع الحسن من أكل جزور ذبحتها امرأة للعبها وقال : إنها نحرت لصنم . وسئلت عائشة عن أكل ما يذبحه الأعاجم لأعيادهم ويهدون للمسلمين فقالت : لا تأكلوه ، وكلوا من أشجارهم . والذي يظهر من الآية تحريم ما ذبح لغير اللّه ، فيندرج في لفظ غير اللّه الصنم والمسيح والفخر واللعب ، وسمي ذلك إهلالا ، لأنهم يرفعون أصواتهم باسم المذبوح له عند الذبيحة ، ثم توسع فيه وكثر حتى صار اسما لكل ذبيحة جهر عليها أو لم يجهر ، كالإهلال بالتلبية صار علما لكل محرم رفع صوته أو لم يرفعه . ومن حمل ذلك على ما ذبح على النصب ، وهي الأوثان ، أجاز ذبيحة النصراني ، إذا سمى عليها باسم المسيح . وإلى هذا ذهب عطاء ومكحول والحسن والشعبي وابن المسيب والأوزاعي والليث . وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ومالك والشافعي : لا تؤكل ذبائحهم إذا سموا عليها اسم المسيح ، وهو ظاهر قوله : لِغَيْرِ اللَّهِ كما ذكرناه ، لأن الإهلال لغير اللّه ، هو إظهار غير اسم اللّه ، ولم يفرق بين اسم المسيح واسم غيره . وروي عن علي أنه قال : إذا سمعتم اليهود والنصارى يهلون لغير اللّه فلا تأكلوا . وأهلّ : مبني للمفعول الذي لم يسم فاعله . والمفعول الذي لم يسم فاعله هو