أبي حيان الأندلسي

113

البحر المحيط في التفسير

يخلق البتة وقت الخطاب ، ثم خلق شكلا مباينا لسائر الأشكال ذوات الأنياب ، فيندرج فيه ، ويحكم بالنهي عنه . وإنما تمثيل الزمخشري بالإيمان ، فللإيمان أحكام منوطة بها ، ويؤول التحقيق فيها إلى أن ذلك تخصيص للعموم بإرادة خروج بعض الأفراد منه . و الْمَيْتَةَ : ما مات دون ذكاة مما له نفس سائلة . واختلف في السمك الطافي ، وهو ما مات في الماء فطفا . فذهب مالك وغيره أنه حلال . ومذهب العراقيين أنه ممنوع من أكله . وفي كلام بعض الحنفيين عن أبي حنيفة أنه مكروه . وأما ما مات من الجراد بغير تسبب ، فهو عند مالك وجمهور أصحابه أنه حرام ، وعند ابن عبد الحكم وابن نافع حلال ، وعند ابن القاسم وابن وهب وأشهب وسحنون تقييدات في الجراد ذكرت في كتب المالكية . هذا حكم الميتة بالنسبة إلى الأكل . وأما الانتفاع بشيء منها ، نحو : الجلد ، والشعر ، والريش ، واللبن ، والبيض ، والإنفحة ، والجنين ، والدهن ، والعظم ، والقرن ، والناب ، والغصب ، فذلك مذكور في كتب الفقه ، ولهم في ذلك اختلاف وتقييد كثير يوقف على ذلك في تصانيفهم . والدم : ظاهره العموم ، ويتخصص بالمسفوح لآية الأنعام . فإذا كان مسفوحا ، فلا خلاف في نجاسته وتحريمه . وفي دم السمك المزايل له في مذهب مالك قولان : أحدهما : أنه طاهر ، ويقتضي ذلك أنه غير محرم . وأجمعوا على جواز أكل الدم المتحلل بالعروق واللحم الشاق إخراجه ، وكذلك الكبد والطحال . وذكر المفسرون في يسير الدم المسفوح الخلاف في العفو عنه ، وفي مقدار اليسير ، والخلاف في دم البراغيث والبق والذباب ، وهذا كله من علم الفقه ، فيطالع في كتب الفقه . ولم يذكر اللّه تعالى حكمة في تحريم أكل الميتة والدم ، ولا جاء نص عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في ذلك . ولو تعبدنا تعالى بجواز أكل الميتة والدم ، لكان ذلك شرعا يجب اتباعه . وقد ذكروا أن الحكمة في تحريم الميتة جمود الدم فيها بالموت ، وأنه يحدث أذى للآكل . وفي تحريم الدم أنه بعد خروجه يجمد ، فهو في الأذى كالجامد في الميتة ، وهذا ليس بشيء ، لأن الحس يكذب ذلك . وجدنا من يأكل الميتة ، ويشرب الدم من الأمم ، صورهم وسحنهم من أحسن ما يرى وأجمله ، ولا يحدث لهم أذى بذلك . وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ : ظاهره أن المحرم منه هو لحمه فقط . وقد ذهب إلى ذلك داود ، رأس الظاهرية ، فقال : المحرم اللحم دون الشحم . وقال غيره من سائر العلماء : المحرم لحمه وسائر أجزائه . وإنما خص اللحم بالذكر ، والمراد جميع أجزائه ، لكون اللحم هو