أبي حيان الأندلسي
10
البحر المحيط في التفسير
فارتفع المجاز بقوله : مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ ، أي ما صرفهم ، والضمير عائد على النبي صلى اللّه عليه وسلم ، والمؤمنين عن قبلتهم . أضاف القبلة إليهم لأنهم كانوا استقبلوها زمنا طويلا ، فصحت الإضافة . وأجمع المفسرون على أن هذه التولية كانت من بيت المقدس إلى الكعبة . هكذا ذكر بعض المفسرين ، وليس ذلك إجماعا ، بل قد ذهب قوم إلى أن هذه القبلة ، التي عيب التحول منها إلى غيرها هي الكعبة ، وأنه كان يصلي إليها عندما فرضت الصلاة ، لأنها قبلة أبيه إبراهيم . فلما توجه إلى بيت المقدس ، قال أهل مكة ، زارّين عليه وعائبين ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ، هذا على حذف مضاف ، أي على استقبالها . والاستعلاء هنا مجاز ، وحكمته الهم لمواظبتهم على امتثال أمر اللّه في المحافظة على الصلوات . صارت القبلة لهم كالشئ المستعلى عليه ، الملازم دائما . وفي وصف القبلة بقوله : الَّتِي كانُوا عَلَيْها ، ما يدل على تمكن استقبالها ، وديمومتهم على ذلك . والضمير في قوله : قبلتهم وكانوا ، ضمير المؤمنين . وقيل : يحتمل أن يكون الضمير عائدا على السفهاء ، فإنهم كانوا لا يعرفون إلا قبلة اليهود ، وهي إلى المغرب ، وقبلة النصارى ، وهي إلى المشرق ، والعرب لم يكن لهم صلاة ، فيتوجهون إلى شيء من الجهات . فلما توجه نحو الكعبة ، استنكروا ذلك فقالوا : كيف يتوجه إلى غير هاتين الجهتين المعروفتين ؟ واختلفوا في استقبال بيت المقدس ، أكان بوحي متلوّ ؟ أو بأمر من اللّه غير متلو ؟ أو بتخيير اللّه رسوله في النواحي ؟ فاختار بيت المقدس ، قاله الربيع ؛ أو باجتهاده بغير وحي ، قاله الحسن وعكرمة وأبو العالية . أقوال : الأول : عن ابن عباس ، روي عنه أنه قال : أول ما نسخ من القرآن القبلة : وكذلك اختلفوا في المدة التي صلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيها إلى بيت المقدس ، فقيل : ستة عشر شهرا ، أو سبعة عشر شهرا . وقيل : تسعة ، أو عشرة أشهر . وقيل : ثلاثة عشر شهرا . وقيل : من وقت فرض الخمس وائتمامه بجبريل ، إثر الإسراء ، وكان ليلة سبع عشرة من ربيع الآخر ، قبل الهجرة بسنة ، ثم هاجر في ربيع الأول ، وتمادى يصلي إلى بيت المقدس ، إلى رجب من سنة اثنتين . وقيل : إلى جمادى . وقيل : إلى نصف شعبان . وروي أنه صلى اللّه عليه وسلم صلى ركعتي الظهر ، فانصرف بالآخرتين إلى الكعبة ، وقد استدل بهذه الآية على جواز نسخ السنة بالقرآن ، إذ صلاته إلى بيت المقدس ليس فيها قرآن ، واستدل بها أيضا على بطلان قول من يزعم أن النسخ بداء . قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ : الأمر متوجه للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، وفيه تعليم له صلى اللّه عليه وسلم كيف يبطل