العز بن عبد السلام

306

تفسير العز بن عبد السلام

« فِراراً » بلغنا أن أحدهم كان يذهب بابنه إليه فيقول : احذر هذا لا يغرنك فإن أبي ذهب إليه وأنا مثلك فحذرني كما حذرتك . وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً [ نوح : 7 ] . « كُلَّما دَعَوْتُهُمْ » إلى الإيمان . « لِتَغْفِرَ لَهُمْ » ما تقدم من الشرك سدوا آذانهم لئلا يسمعوا ليوئسوه من إجابة ما لم يسمعوه وكان حليما صبورا . « وَأَصَرُّوا » أقاموا على الكفر أو الإصرار تعمد الذنب أو سكتوا على ذنوبهم فلم يستغفروا . « وَاسْتَكْبَرُوا » بترك التوبة أو بكفرهم باللّه تعالى وتكذيبهم نوحا عليه الصلاة والسّلام . ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً [ نوح : 8 ] . « جِهاراً » مجاهرة يرى بعضهم بعضا . ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً [ نوح : 9 ] . « أَعْلَنْتُ » الدعاء صحت به . « وَأَسْرَرْتُ » الدعاء عن بعضهم من بعض دعاهم في وقت سرا وفي وقت جهر أو دعا بعضهم سرا وبعضهم جهرا مبالغة منه وتلطفا . فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً [ نوح : 10 ] . « اسْتَغْفِرُوا » ترغيبا منه في التوبة . يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً [ نوح : 11 ] . « مِدْراراً » غيثا متتابعا قيل أجدبوا أربعين سنة فأذهب الجدب أموالهم وانقطع الولد عن نسائهم فلما علم حرصهم على الدنيا قال : هلموا إلى طاعة اللّه تعالى فإن فيها درك الدنيا والآخرة ترغيبا لهم في الإيمان . ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً [ نوح : 13 ] . « لا تَرْجُونَ » لا تعرفون له عظمه ولا تخشون عقابه ولا ترجون ثوابه أو لا تعرفون حقه ولا تشكرون نعمه أو لا تؤدون طاعته أو الوقار : الثبات منه وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ [ الأحزاب : 33 ] أي لا تثبتون وحدانيته . وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً [ نوح : 14 ] . « أَطْواراً » طورا نطفة وطورا علقة وطورا مضغة وطورا عظما ثم كسا العظام اللحم ثم أنشأه خلقا آخر أنبت له الشعر وكمل له الصورة أو الأطوار اختلافهم طولا وقصرا ، وقوة وضعفا وهما وتصرفا وغنى وفقرا .