العز بن عبد السلام

11

تفسير العز بن عبد السلام

منذ القدم بين مجيز لذلك ومانع له . فالذين أجازوه استدلوا بالآيتين التاليتين : قوله تعالى : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها [ محمد : 24 ] ، وقوله تعالى : وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [ النساء : 83 ] . ففي هاتين الآيتين ما يدل على أن معاني القرآن لا يصل إليها إلا أهل الاستنباط والاجتهاد ، بما يملكون من مواهب ؛ كما أن في الآية أمرا بالتدبر والاجتهاد في استنباط معانيه . كما كان اختلاف الصحابة - رضوان اللّه عليهم - في بعض أقوالهم في تفسير القرآن ، يدل على أنهم فسروه باجتهادهم القائم على معرفتهم الخاصة ، إذ لولا ذلك لا تفقت أقوالهم . كما كان أيضا دعاء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لابن عباس رضي اللّه عنهما : « اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل » « 1 » دليل على جواز الاجتهاد في فهم القرآن . أما الذين منعوا التفسير بالرأي فلهم أدلتهم التي اعتمدوا عليها وهي : - قوله تعالى : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [ النحل : 44 ] فهذه الآية في رأيهم جعلت تفسير القرآن وبيانه للنبي رضي اللّه عنه وحده دون غيره . وقوله تعالى : قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ [ الأعراف : 33 ] ، فحرم اللّه على عباده القول على اللّه بدون علم ، والتفسير بالرأي - عند المانعين - قول على اللّه بدون علم . وما رواه الترمذي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار » « 2 » . وأضف إلى ذلك إلى امتناع بعض السلف عن القول في القرآن برأيهم ، فالمانعون يرون أن التفسير بالرأي قول على اللّه بغير علم ، فلا يجوز لأحد الإقدام عليه ؛ لأنه محرم بهذا المفهوم . والنتيجة تتمثل في رد المجيزين على المانعين بما يأتي : - هناك خلاف بين العلماء في المقدار الذي فسره الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في القرآن ، فمنهم من يرى أنه عليه الصلاة والسّلام فسر

--> ( 1 ) رواه البخاري ( 1 / 66 ، رقم : 143 ) عن ابن عباس دون قوله : ( ( وعلمه التأويل ) ) ، ورواه بهذه الزيادة : أحمد ( 1 / 335 ، رقم : 3102 ) ، وابن حبان ( 15 / 531 ، رقم : 7055 ) ، والحاكم في المستدرك ( 3 / 615 ، رقم : 6280 ) وصححه . ( 2 ) رواه الترمذي ( 5 / 199 ، رقم : 2951 ) ، ورواه أيضا : النسائي في السنن الكبرى ( 5 / 31 ، رقم : 8085 ) .