عبد الله بن أحمد النسفي
69
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 74 إلى 76 ] وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً ( 74 ) قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً ( 75 ) وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ مَرَدًّا ( 76 ) 74 - وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ فكم مفعول أهلكنا ومن تبيين لإبهامها ، أي كثيرا من القرون أهلكنا ، وكلّ أهل عصر قرن لمن بعدهم هُمْ أَحْسَنُ في محلّ النصب صفة لكم ، ألا ترى أنك لو تركت هم كان أحسن نصبا على الوصفية أَثاثاً هو متاع البيت أو ما جدّ من الفرش وَرِءْياً منظرا وهيئة ، فعل بمعنى مفعول من رأيت ، وريا بغير همز مشددا نافع وابن عامر على قلب الهمزة ياء لسكونها وانكسار ما قبلها ثم الإدغام ، أو من الريّ الذي هو النعمة . 75 - قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ الكفر فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا جواب من لأنها شرطية ، وهذا الأمر بمعنى الخبر ، أي من كفر مدّ له الرحمن يعني أمهله وأملى له في العمر ليزداد طغيانا وضلالا كقوله تعالى : إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً « 1 » وإنما أخرج على لفظ الأمر إيذانا بوجوب ذلك ، وأنه مفعول لا محالة كالمأمور به الممتثل ليقطع معاذير الضّلّال حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ هي متصلة بقوله خير مقاما وأحسن نديّا ، وما بينهما اعتراض ، أي لا يزالون يقولون هذا القول إلى أن يشاهدوا الموعود رأي عين إِمَّا الْعَذابَ في الدنيا ، وهو تعذيب المسلمين إياهم بالقتل والأسر وَإِمَّا السَّاعَةَ أي القيامة وما ينالهم من الخزي والنّكال ، فهما بدلان من ما « 2 » يوعدون فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً منزلا وَأَضْعَفُ جُنْداً أعوانا وأنصارا ، أي فحينئذ يعلمون أنّ الأمر على عكس ما قدّروه ، وأنهم شرّ مكانا وأضعف جندا لا خير مقاما وأحسن نديّا ، وأنّ المؤمنين على خلاف صفتهم ، وجاز أن تتصل بما يليها ، والمعنى إنّ الذين في الضلالة ممدود لهم في ضلالتهم لا ينفكّون عن ضلالتهم إلى أن يعاينوا نصرة اللّه المؤمنين ، أو يشاهدوا الساعة ، وحتى هي التي يحكى بعدها الجمل ألا ترى أنّ الجملة الشرطية واقعة بعدها ، وهي قوله إذا رأوا ما يوعدون . . فسيعلمون . 76 - وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً معطوف على موضع فليمدد لوقوعه موضع الخبر تقديره من كان في الضلالة مدّ أو يمدّ له الرحمن ويزيد ، أي يزيد في
--> ( 1 ) آل عمران ، 3 / 178 . ( 2 ) في ( ز ) مما .