عبد الله بن أحمد النسفي
55
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 27 إلى 30 ] فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا ( 27 ) يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ( 28 ) فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ( 29 ) قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ( 30 ) السفهاء ، وفيه دليل على أنّ السكوت عن السفيه واجب ، وما قدع « 1 » سفيه بمثل الإعراض ولا أطلق عنانه بمثل العراض « 2 » ، وإنّما أخبرتهم بأنها نذرت الصوم بالإشارة ، وقد تسمى الإشارة كلاما وقولا ، ألا ترى إلى قول الشاعر في وصف القبور : وتكلّمت عن أوجه تبلى « 3 » . وقيل كان وجوب الصمت بعد هذا الكلام ، أو سوّغ لها هذا القدر بالنطق فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا آدميا . 27 - فَأَتَتْ بِهِ بعيسى قَوْمَها بعد ما طهرت من نفاسها تَحْمِلُهُ حال منها ، أي أقبلت نحوهم حاملة إياه فلما رأوه معها قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا بديعا عجيبا ، والفري القطع ، كأنه يقطع العادة . 28 - يا أُخْتَ هارُونَ وكان أخاها من أبيها ومن أفضل بني إسرائيل ، أو هو أخو موسى عليه السّلام وكانت من أعقابه وبينهما ألف سنة ، وهذا كما يقال يا أخا همدان أي يا واحدا منهم ، أو رجل صالح أو طالح في زمانها شبّهوها به في الصلاح أو شتموها به ما كانَ أَبُوكِ عمران امْرَأَ سَوْءٍ زانيا وَما كانَتْ أُمُّكِ حنّة بَغِيًّا زانية . 29 - فَأَشارَتْ إِلَيْهِ إلى عيسى أن يجيبهم ، وذلك أنّ عيسى عليه السّلام قال لها : لا تحزني وأحيلي بالجواب عليّ ، وقيل أمرها جبريل بذلك ، ولمّا أشارت إليه غضبوا وتعجّبوا و قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ حدث ووجد فِي الْمَهْدِ المعهود صَبِيًّا حال . 30 - قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ ولمّا أسكتت بأمر اللّه لسانها الناطق أنطق اللّه لها اللسان الساكت حتى اعترف بالعبودية وهو ابن أربعين ليلة أو ابن يوم ، روي أنه أشار بسبابته وقال بصوت رفيع : إني عبد اللّه ، وفيه ردّ لقول النصارى آتانِيَ الْكِتابَ
--> ( 1 ) قدع السفيه : كفّه ( القاموس 3 / 65 ) . ( 2 ) العراض : الكلام الكثير ، معظم الحديث ( القاموس 2 / 335 ) . ( 3 ) لم أصل إلى أصله .