عبد الله بن أحمد النسفي
38
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 78 إلى 81 ] قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً ( 78 ) أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً ( 79 ) وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً ( 80 ) فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً ( 81 ) الخاء وإدغام الذال في التاء غيرهم ، والتاء في تخذ أصل كما في تبع ، واتخذ افتعل منه كاتبع من تبع ، وليس من الأخذ في شيء . 78 - قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ هذا إشارة إلى السؤال الثالث ، أي هذا الاعتراض سبب الفراق ، والأصل هذا فراق بيني وبينك وقد قرئ به ، فأضيف المصدر إلى الظرف كما يضاف إلى المفعول به سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً . 79 - أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ قيل كانت لعشرة إخوة خمسة منهم زمنى وخمسة يعملون في البحر فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها أجعلها ذات عيب وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ أمامهم أو خلفهم ، وكان طريقهم في رجوعهم عليه ، وما كان عندهم خبره ، فأعلم اللّه به الخضر ، وهو جلندي يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً أي يأخذ كلّ سفينة صالحة لا عيب فيها غصبا ، وإن كانت معيبة تركها ، وهو مصدر أو مفعول له ، فإن قلت : قوله فأردت أن أعيبها مسبّب عن خوف الغصب عليها ، فكان حقّه أن يتأخر عن السبب ، قلت : المراد به التأخير وإنما قدّم للعناية . 80 - وَأَمَّا الْغُلامُ وكان اسمه الحسين فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً فخفنا أن يغشي الوالدين المؤمنين طغيانا عليهما وكفرا لنعمتهما بعقوقه وسوء صنيعه ويلحق بهما شرا وبلاء ، أو يعديهما بدائه ويضلّهما بضلاله فيرتدا بسببه ، وهو من كلام الخضر ، وإنما خشي الخضر منه ذلك لأنه تعالى أعلمه بحاله وأطلعه على سر أمره ، وإن كان من قول اللّه تعالى فمعنى فخشينا فعلمنا إن عاش أن يصير سببا لكفر والديه . 81 - فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما يبدّلهما ربّهما مدني وأبو عمرو خَيْراً مِنْهُ زَكاةً طهارة ونقاء من الذنوب وَأَقْرَبَ رُحْماً رحمة وعطفا وزكاة ، ورحما تمييز ، روي أنّه ولدت لهما جارية تزوجها نبي فولدت نبيا أو سبعين نبيا ، أو أبدلهما ابنا مؤمنا مثلهما ، رحما شامي وهما لغتان .