عبد الله بن أحمد النسفي
33
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة الكهف ( 18 ) : آية 60 ] وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً ( 60 ) الأجناس ، والخبر أَهْلَكْناهُمْ أو تلك القرى نصب بإضمار أهلكنا على شريطة التفسير ، والمعنى وتلك أصحاب القرى أهلكناهم ، والمراد قوم نوح وعاد وثمود لَمَّا ظَلَمُوا مثل ظلم أهل مكة وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً وضربنا لإهلاكهم وقتا معلوما لا يتأخرون عنه ، كما ضربنا لأهل مكة يوم بدر ، والمهلك الإهلاك ووقته . وبفتح الميم وكسر اللام حفص ، وبفتحهما أبو بكر ، أي لوقت هلاكهم أو لهلاكهم ، والموعد وقت أو مصدر . 60 - وَإِذْ واذكر إذ قالَ مُوسى لِفَتاهُ وهو يوشع بن نون ، وإنما قيل لفتاه « 1 » لأنه كان يخدمه ويتبعه ويأخذ منه العلم لا أَبْرَحُ لا أزال ، وقد حذف الخبر لدلالة الحال والكلام عليه ، أما الأولى فلأنها كانت حال سفر ، وأما الثاني فلأن قوله حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ غاية مضروبة تستدعي ما هي غاية له ، فلا بد أن يكون المعنى لا أبرح أسير حتى أبلغ مجمع البحرين ، وهو المكان الذي وعد فيه موسى لقاء الخضر عليهما السّلام ، وهو ملتقى بحر فارس والروم ، وسمّي خضرا لأنه أينما يصلي يخضرّ ما حوله أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً أو أسير زمانا طويلا ، قيل ثمانون سنة . روي أنه لما ظهر موسى عليه السّلام على مصر مع بني إسرائيل ، واستقروا بها بعد هلاك القبط سأل ربّه أيّ عبادك أحبّ إليك ؟ قال : الذي يذكرني ولا ينساني ، قال : فأيّ عبادك أقضى ؟ قال : الذي يقضي بالحقّ ولا يتبع الهوى ، قال : فأيّ عبادك أعلم ؟ قال : الذي يبتغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة تدلّه على هدى أو تردّه عن ردى ، فقال : إن كان في عبادك من هو أعلم مني فادللني « 2 » عليه ، قال : أعلم منك الخضر ، قال : أين أطلبه ؟ قال : على الساحل عند الصخرة ، قال : يا ربّ كيف لي به ؟ قال : تأخذ حوتا في مكتل ، فحيث فقدته فهو هناك ؟ فقال لفتاه : إذا فقدت الحوت فأخبرني ، فذهبا يمشيان ، فرقد موسى ، فاضطرب الحوت ووقع في البحر ، فلما جاء وقت الغداء طلب موسى الحوت ، فأخبره فتاه بوقوعه في البحر ، فأتيا الصخرة فإذا رجل مسجّى بثوبه ، فسلم عليه موسى ، فقال : وأنّى بأرضنا السلام ، فعرّفه نفسه ، فقال : يا موسى أنا على علم علّمنيه اللّه لا تعلمه أنت ، وأنت على علم علّمكه اللّه لا أعلمه أنا « 3 » .
--> ( 1 ) في ( ز ) فتاه . ( 2 ) في ( ز ) فدلني . ( 3 ) القصة في البخاري عن أبي بن كعب مختصرة .