عبد الله بن أحمد النسفي
21
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 23 إلى 24 ] وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً ( 23 ) إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً ( 24 ) فحسب ولا تزيد من غير تجهيل لهم ، أو بمشهد من الناس ليظهر صدقك وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً ولا تسأل أحدا منهم عن قصتهم سؤال متعنت له حتى يقول شيئا فتردّه عليه وتزيّف ما عنده ، ولا سؤال مسترشد لأنّ اللّه تعالى قد أرشدك بأن أوحى إليك قصتهم . 23 - وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ لأجل شيء تعزم عليه إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ الشيء غَداً أي فيما يستقبل من الزمان ولم يرد الغد خاصة . 24 - إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ أن تقوله بأن يأذن لك « 1 » فيه ، أو ولا تقولنّه إلا بأن يشاء اللّه ، أي إلا بمشيئته ، وهو في موضع الحال ، أي إلا ملتبسا بمشيئة اللّه قائلا إن شاء اللّه ، وقال الزّجّاج : معناه ولا تقولنّ إني أفعل ذلك إلا بمشيئة اللّه تعالى ، لأنّ قول القائل أنا أفعل ذلك إن شاء اللّه معناه لا أفعله إلا بمشيئة اللّه ، وهذا نهي تأديب من اللّه لنبيه حين قالت اليهود لقريش : سلوه عن الروح وعن أصحاب الكهف وذي القرنين ، فسألوه فقال ائتوني غدا أخبركم ولم يستثن ، فأبطأ عليه الوحي حتى شق عليه وَاذْكُرْ رَبَّكَ أي مشيئة ربّك ، وقل إن شاء اللّه إِذا نَسِيتَ إذا فرط منك نسيان لذلك ، والمعنى إذا نسيت كلمة الاستثناء ثم تنبهت عليها فتداركها بالذكر ، عن الحسن : ما دام في مجلس الذكر ، وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما : ولو بعد سنة ، وهذا محمول على تدارك التبرك بالاستثناء ، فأما الاستثناء المغير حكما فلا يصح إلا متصلا . وحكي أنه بلغ المنصور أنّ أبا حنيفة رحمه اللّه خالف ابن عباس رضي اللّه عنهما في الاستثناء المنفصل ، فاستحضره لينكر عليه ، فقال له أبو حنيفة : هذا يرجع عليك ، إنّك تأخذ البيعة بالأيمان ، أفترضى أن يخرجوا من عندك فيستثنوا ، فيخرجوا عليك ، فاستحسن كلامه وأمر الطاعن فيه بإخراجه من عنده . أو معناه واذكر ربّك بالتسبيح والاستغفار ، إذا نسيت كلمة الاستثناء تشديدا في البعث على الاهتمام بها ، أو صلّ صلاة نسيتها إذا ذكرتها ، أو إذا نسيت شيئا فاذكره ليذكرك المنسيّ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً يعني إذا نسيت شيئا فاذكر ربّك ، وذكر ربّك عند نسيانه أن تقول عسى ربي أن يهديني لشيء آخر بدل هذا
--> ( 1 ) في ( ز ) ذلك .