عبد الله بن أحمد النسفي

15

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 15 إلى 17 ] هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْ لا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً ( 15 ) وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً ( 16 ) وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً ( 17 ) 15 - هؤُلاءِ مبتدأ قَوْمُنَا عطف بيان اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً خبر ، وهو إخبار في معنى الإنكار لَوْ لا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ هلّا يأتون على عبادتهم ، فحذف المضاف بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ بحجة ظاهرة ، وهو تبكيت « 1 » لأنّ الإتيان بالسلطان على عبادة الأوثان محال فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً بنسبة الشريك إليه . 16 - وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ خطاب من بعضهم لبعض حين صمّمت عزيمتهم على الفرار بدينهم وَما يَعْبُدُونَ نصب عطف على الضمير ، أي وإذ اعتزلتموهم واعتزلتم « 2 » معبوديهم إِلَّا اللَّهَ استثناء متصل لأنهم كانوا يقرّون بالخالق ويشركون معه غيره كأهل مكة ، أو منقطع ، أي وإذ اعتزلتم الكفار والأصنام التي يعبدونها من دون اللّه ، أو هو كلام معترض إخبار من اللّه تعالى عن الفتية أنهم لم يعبدوا غير اللّه فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ صيروا إليه أي « 3 » اجعلوا الكهف مأواكم يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ من رزقه وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً مرفقا مدني وشامي ، وهو ما يرتفق به ، أي ينتفع ، وإنما قالوا ذلك ثقة بفضل اللّه ، وقوة في رجائهم لتوكّلهم عليه ونصوع يقينهم ، أو أخبرهم به نبيّ في عصرهم . 17 - وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ بتخفيف الزاي كوفي ، تزّور شامي ، تزّاور غيرهم ، وأصله تتزاور فخفف بإدغام التاء في الزاي أو حذفها ، والكلّ من الزّور وهو الميل ، ومنه زاره إذا مال إليه ، والزّور الميل عن الصدق عَنْ كَهْفِهِمْ أي تميل عنه ولا يقع شعاعها عليهم ذاتَ الْيَمِينِ جهة اليمين وحقيقتها الجهة المسماة باليمين وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ تقطعهم أي تتركهم وتعدل عنهم ذاتَ الشِّمالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ في متسع من الكهف ، والمعنى أنهم في ظلّ نهارهم كلّه لا

--> ( 1 ) التبكيت : التقريع والتعنيف والنهر . ( 2 ) في ( ز ) وإذ اعتزلتم . ( 3 ) في ( ظ ) و ( ز ) أو اجعلوا .