عبد الله بن أحمد النسفي

118

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 29 إلى 31 ] وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ( 29 ) أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ ( 30 ) وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ( 31 ) 29 - وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ من الملائكة إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ من دون اللّه ، إنّي مدني وأبو عمرو فَذلِكَ مبتدأ أي فذلك القائل ، خبره نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ وهو جواب الشرط كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ الكافرين الذين وضعوا الإلهية في غير موضعها وهذا على سبيل الفرض والتمثيل لتحقّق عصمتهم ، وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما وقتادة والضّحّاك : قد تحقّق الوعيد في إبليس فإنه ادعى الإلهية لنفسه ودعا إلى طاعة نفسه وعبادته . 30 - أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا ألم ير مكي أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا أي جماعة السماوات وجماعة الأرض فلذا لم يقل كنّ رَتْقاً بمعنى المفعول أي كانتا مرتوقتين ، وهو مصدر فلذا صلح أن يقع موقع مرتوقتين فَفَتَقْناهُما فشققناهما ، والفتق الفصل بين الشيئين والرتق ضدّ الفتق ، فإن قيل : متى رأوهما رتقا حتى جاء تقريرهم بذلك ؟ قلنا : إنه وارد في القرآن الذي هو معجزة فقام مقام المرئيّ المشاهد ، ولأن الرؤية بمعنى العلم ، وتلاصق الأرض والسماء وتباينهما جائزان في العقل ، فالاختصاص بالتباين دون التلاصق لا بدّ له من مخصّص وهو القديم جلّ جلاله ، ثم قيل إنّ السماء كانت لاصقة بالأرض لا فضاء بينهما ففتقناهما أي فصلنا بينهما بالهواء ، وقيل كانت السماوات مرتتقة طبقة واحدة ففتقها اللّه تعالى وجعلها سبع سماوات ، وكذلك الأرض كانت مرتتقة طبقة واحدة ففتقها وجعلها سبع أرضين ، وقيل كانت السماء رتقا لا تمطر والأرض رتقا لا تنبت ففتق السماء بالمطر والأرض بالنبات وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أي خلقنا من الماء كلّ حيوان كقوله : وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ « 1 » أو كأنما خلقناه من الماء لفرط احتياجه إليه وحبّه له وقلة صبره عنه كقوله خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ « 2 » أَ فَلا يُؤْمِنُونَ يصدّقون بما يشاهدون . 31 - وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ جبالا ثوابت من رسا إذا ثبت أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ لئلّا تضطرب بهم ، فحذف لا واللام ، وإنما جاز حذف لا لعدم الالتباس كما

--> ( 1 ) النور ، 24 / 45 . ( 2 ) تأتي لاحقا في هذه السورة الآية 37 .