عبد الله بن أحمد النسفي
107
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة طه ( 20 ) : الآيات 131 إلى 132 ] وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى ( 131 ) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى ( 132 ) النصف الأخير من النهار بين زوال الشمس وغروبها وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ أي وتعمد « 1 » آناء الليل ، أي ساعاته وأطراف النهار مختصا لها بصلاتك ، وقد تناول التسبيح في آناء الليل صلاة العتمة وفي أطراف النهار صلاة المغرب وصلاة الفجر على التكرار إرادة الاختصاص كما اختصت في قوله : وَالصَّلاةِ الْوُسْطى « 2 » عند البعض ، وإنما جمع وأطراف النهار وهما طرفان لأمن الإلباس ، وهو عطف على قبل لَعَلَّكَ تَرْضى لعلّ للمخاطب ، أي اذكر اللّه في هذه الأوقات رجاء أن تنال عند اللّه ما به ترضى نفسك ويسرّ قلبك . وترضى عليّ وأبو بكر أي يرضيك ربّك . 131 - وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ أي نظر عينيك ، ومدّ النظر تطويله وأن لا يكاد يردّه استحسانا للمنظور إليه وإعجابا به ، وفيه أنّ النظر غير الممدود معفوّ عنه ، وذلك أن يباده الشيء بالنظر ثم يغضّ الطرف ، ولقد شدّد المتقون في وجوب غضّ البصر عن أبنية الظلمة ، وعدد الفسقة في ملابسهم ومراكبهم حتى قال الحسن : لا تنظروا إلى دقدقة « 3 » هماليج « 4 » الفسقة ولكن انظروا كيف يلوح ذلّ المعصية من تلك الرّقاب ، وهذا لأنهم إنما اتخذوا هذه الأشياء لعيون النّظّارة ، فالناظر إليها محصل لغرضهم ومغر لهم على اتخاذها إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ أصنافا من الكفرة ، ويجوز أن ينتصب حالا من هاء الضمير والفعل واقع على منهم ، كأنه قال إلى الذي متّعنا به ، وهو أصناف ، بعضهم وناسا منهم زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا زينتها وبهجتها ، وانتصب على الذّمّ ، أو على إبداله من محلّ به ، أو على إبداله من أزواجا على تقدير ذوي زهرة لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ لنبلوهم حتى يستوجبوا العذاب لوجود الكفران منهم ، أو لنعذّبهم في الآخرة بسببه وَرِزْقُ رَبِّكَ ثوابه وهو الجنة ، أو الحلال الكافي خَيْرٌ وَأَبْقى مما رزقوا . 132 - وَأْمُرْ أَهْلَكَ أمتك أو أهل بيتك بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ أنت ، داوم عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً أي لا نسألك أن ترزق نفسك ولا أهلك نَحْنُ نَرْزُقُكَ
--> ( 1 ) في ( ظ ) و ( ز ) تعهد . ( 2 ) البقرة ، 2 / 238 . ( 3 ) دقدقة : جلبة الناس وأصوات حوافر الدواب ( القاموس 3 / 232 ) . ( 4 ) هماليج : البراذين ( القاموس 1 / 213 ) وهي الدواب ( القاموس 4 / 201 ) .