عبد الله بن أحمد النسفي
9
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 12 إلى 14 ] قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 12 ) وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 13 ) قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 14 ) سيروا لأجل النظر ولا تسيروا سير الغافلين ، ومعنى سيروا في الأرض ثم انظروا إباحة السير في الأرض للتجارة وغيرها وإيجاب النظر في آثار الهالكين ، ونبه على ذلك بثم لتباعد ما بين الواجب والمباح . 12 - قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ من استفهام ، وما بمعنى الذي في موضع الرفع على الابتداء ، ولمن خبره قُلْ لِلَّهِ تقرير لهم أي هو للّه لا خلاف بيني وبينكم ، ولا تقدرون أن تضيفوا منه شيئا إلى غيره كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أصل كتب أوجب ولكن لا يجوز الإجراء على ظاهره إذ لا يجب على اللّه شيء للعبد ، فالمراد به أنه وعد ذلك وعدا مؤكدا وهو منجزه لا محالة ، وذكر النفس للاختصاص ورفع الوسائط ، ثم أوعدهم على إغفالهم النظر وإشراكهم به من لا يقدر على خلق شيء بقوله لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ فيجازيكم على شرككم « 1 » لا رَيْبَ فِيهِ في اليوم أو في الجمع الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ نصب على الذم ، أي أريد الذين خسروا أنفسهم باختيارهم الكفر فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وقال الأخفش : الذين بدل من كم في ليجمعنّكم أي ليجمعنّ هؤلاء المشركين الذين خسروا أنفسهم ، والوجه هو الأول لأن سيبويه قال : لا يجوز مررت بي المسكين ولا بك المسكين فتجعل المسكين بدلا من الباء أو الكاف لأنهما في غاية الوضوح فلا يحتاجان إلى البدل والتفسير . 13 - وَلَهُ عطف على للّه ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ من السّكنى حتى يتناول الساكن والمتحرك ، أو من السكون ومعناه ما سكن وتحرّك فيهما ، فاكتفى بأحد الضدين عن الآخر كقوله : تَقِيكُمُ الْحَرَّ « 2 » أي الحرّ والبرد ، وذكر السكون لأنّه أكثر من الحركة ، وهو احتجاج على المشركين لأنهم لم ينكروا أنه خالق الكلّ ومدبره وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ يسمع كلّ مسموع ويعلم كلّ معلوم فلا يخفى عليه شيء مما يشتمل عليه الملوان . 14 - قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا ناصرا ومعبودا ، وهو مفعول ثان لأتخذ والأول
--> ( 1 ) في ( ز ) إشراككم . ( 2 ) النحل ، 16 / 81 .