عبد الله بن أحمد النسفي

58

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 147 إلى 149 ] فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ( 147 ) سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ ( 148 ) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ ( 149 ) 147 - فَإِنْ كَذَّبُوكَ فيما أوحيت إليك من هذا فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ بها يمهل المكذبين ولا يعاجلهم بالعقوبة وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عذابه مع سعة رحمته عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ إذا جاء فلا تغترّ بسعة رحمته عن خوف نقمته . 148 - سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا إخبار بما سوف يقولونه لَوْ شاءَ اللَّهُ أن لا نشرك ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ ولكن شاء فهذا عذرنا ، يعنون أنّ شركهم وشرك آبائهم وتحريمهم ما أحلّ اللّه « 1 » بمشيئته ولولا مشيئته لم يكن شيء من ذلك كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي كتكذيبهم إياك كان تكذيب المتقدمين رسلهم وتشبثوا بمثل هذا فلم ينفعهم ذلك إذ لم يقولوه عن اعتقاد بل قالوا ذلك استهزاء ، ولأنهم جعلوا مشيئته حجة لهم على أنهم معذورون به وهذا مردود لا الإقرار بالمشيئة ، أو معنى المشيئة هنا الرضا كما قال الحسن ، أي رضي اللّه منا ومن آبائنا الشرك ، والشرك مراد لكنه غير مرضي ألا ترى أنه قال فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ أخبر أنه لو شاء منهم الهدى لآمن كلّهم ولكن لم يشأ من الكلّ الإيمان بل شاء من البعض الإيمان ومن البعض الكفر ، فيجب حمل المشيئة هنا على ما ذكرناه دفعا للتناقض حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا حتى أنزلنا عليهم العذاب قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ من أمر معلوم يصحّ الاحتجاج به فيما قلتم فَتُخْرِجُوهُ لَنا فتظهروه إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ تكذبون . 149 - قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ عليكم بأوامره ونواهيه ولا حجة لكم على اللّه لمشيئته « 2 » فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ أي فلو شاء هدايتكم ، وبه تبطل صولة المعتزلة .

--> ( 1 ) زاد في ( ز ) لهم . ( 2 ) في ( ظ ) و ( ز ) بمشيئته .