عبد الله بن أحمد النسفي
47
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 122 إلى 123 ] أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 122 ) وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وَما يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ وَما يَشْعُرُونَ ( 123 ) 122 - أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ أي كافرا فهديناه لأنّ الإيمان حياة القلب « 1 » ، ميّتا مدني وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ مستضيئا به والمراد به اليقين كَمَنْ مَثَلُهُ أي صفته فِي الظُّلُماتِ أي خابط فيها لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها لا يفارقها ولا يتخلص منها ، وهو حال قيل المراد بهما حمزة وأبو جهل والأصح أنّ الآية عامة لكلّ من هداه اللّه ولكلّ من أضلّه اللّه ، فبيّن أنّ مثل المهتدي مثل الميت الذي أحيي وجعل مستضيئا يمشي في الناس بنور الحكمة والإيمان ومثل الكافر مثل من هو في الظّلمات التي لا يتخلص منها كَذلِكَ أي كما زيّن للمؤمن إيمانه زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ بتزيين اللّه تعالى كقوله زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ « 2 » ما كانُوا يَعْمَلُونَ أي أعمالهم . 123 - وَكَذلِكَ أي وكما جعلنا في مكة صناديدها ليمكروا فيها جَعَلْنا صيّرنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها ليتجبّروا على الناس فيها ويعملوا بالمعاصي . واللام على ظاهرها عند أهل السنّة وليست بلام العاقبة ، وخص الأكابر وهم الرؤساء لأن ما فيهم من الرئاسة والسّعة أدعى لهم إلى المكر والكفر من غيرهم ، دليله وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ « 3 » ثم سلى رسوله عليه السّلام ووعد له النّصرة بقوله وَما يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ لأنّ مكرهم يحيق بهم وَما يَشْعُرُونَ أنه يحيق بهم ، أكابر مفعول أول والثاني في كلّ قرية ، ومجرميها بدل من أكابر ، أو الأول مجرميها والثاني أكابر ، والتقدير مجرميها أكابر . ولما قال أبو جهل : زاحمنا بنو عبد مناف في الشرف حتى إذا صرنا كفرسي رهان قالوا منا نبيّ يوحى إليه ، واللّه لا نرضى به إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه ، نزل :
--> ( 1 ) في ( ظ ) و ( ز ) القلوب . ( 2 ) النمل ، 27 / 4 . ( 3 ) الشورى ، 42 / 27 .