عبد الله بن أحمد النسفي

467

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 70 إلى 71 ] وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلاً ( 70 ) يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ( 71 ) إعراضكم حين نجّاكم ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعاً مطالبا من قوله : فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ « 1 » أي مطالبة ، والمعنى إنا نفعل ما نفعل بهم ثم لا تجدوا أحدا يطالبنا بما فعلنا انتصارا منا ودركا للثأر من جهتنا وهذا نحو قوله : وَلا يَخافُ عُقْباها « 2 » أن نخسف ، أو نرسل ، أن نعيدكم ، فنرسل ، فنغرقكم بالنون مكي وأبو عمرو . 70 - وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ بالعقل ، والنطق ، والخطّ ، والصورة الحسنة ، والقامة المعتدلة ، وتدبير أمر المعاش والمعاد ، والاستيلاء وتسخير الأشياء ، وتناول الطعام بالأيدي ، وعن الرشيد أنه أحضر طعاما فدعا بالملاعق وعنده أبو يوسف رحمه اللّه تعالى فقال له : جاء في تفسير جدّك ابن عباس رضي اللّه عنهما قوله تعالى : وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ جعلنا لهم أصابع يأكلون بها ، فأحضرت الملاعق فردّها وأكل بأصابعه وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ على الدواب وَالْبَحْرِ على السفن وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ باللذيذات ، أو بما كسبت أيديهم وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا أي على الكلّ كقوله : وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ « 3 » قال الحسن أي كلّهم ، وقوله : وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا « 4 » ذكر في « الكشاف » أنّ المراد بالأكثر الجميع ، وعنه عليه السّلام : ( المؤمن أكرم على اللّه من الملائكة ) « 5 » وهذا لأنهم مجبولون على الطاعة ، ففيهم عقل بلا شهوة ، وفي البهائم شهوة بلا عقل ، وفي الآدمي كلاهما ، فمن غلب عقله شهوته فهو أكرم من الملائكة ، ومن غلبت شهوته عقله فهو شرّ من البهائم ، ولأنه خلق الكلّ لهم وخلقهم لنفسه . 71 - يَوْمَ نَدْعُوا منصوب باذكر كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ الباء للحال ، والتقدير مختلطين بإمامهم ، أي بمن ائتموا به من نبي ، أو مقدّم في الدين ، أو كتاب ، أو دين ، فيقال يا أتباع فلان ، يا أهل دين كذا ، أو كتاب كذا ، وقيل بكتاب أعمالهم ، فيقال يا أصحاب كتاب الخير ويا أصحاب كتاب الشرّ فَمَنْ أُوتِيَ من هؤلاء

--> ( 1 ) البقرة ، 2 / 178 . ( 2 ) الشمس ، 91 / 15 . ( 3 ) الشعراء ، 26 / 223 . ( 4 ) يونس ، 10 / 36 . ( 5 ) البيهقي في الشعب وابن ماجة عن أبي هريرة موقوفا .