عبد الله بن أحمد النسفي

464

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 61 إلى 62 ] وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ قالَ أَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً ( 61 ) قالَ أَ رَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً ( 62 ) بمخاوف الدنيا والآخرة فَما يَزِيدُهُمْ التخويف إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً فكيف يخاف قوم هذه حالهم بإرسال ما يقترحون من الآيات ، وقيل الرؤيا هي الإسراء ، والفتنة ارتداد من استعظم ذلك ، وبه تعلّق من يقول كان الإسراء في المنام ، ومن قال كان في اليقظة فسّر الرؤيا بالرؤية ، وإنما سماها رؤيا على قول المكذبين حيث قالوا له : لعلها رؤيا رأيتها ، استبعادا منهم ، كما سمّى أشياء بأساميها عند الكفرة كقوله : فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ « 1 » أَيْنَ شُرَكائِيَ * « 2 » أو هي رؤيا أنه سيدخل مكة ، والفتنة الصدّ بالحديبية ، فإن قلت : ليس في القرآن ذكر لعن شجرة الزقوم ، قلت : معناه والشجرة المعلونة آكلوها « 3 » وهم الكفرة لأنه قال : ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ * لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ * فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ « 4 » فوصفت بلعن أهلها على المجاز ، ولأنّ العرب تقول لكلّ طعام مكروه ضار ملعون ، ولأنّ اللعن هو الإبعاد من الرحمة وهي في أصل الجحيم في أبعد مكان من الرحمة . 61 - وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قالَ أَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً هو تمييز ، أو حال من الموصول ، والعامل فيه أأسجد على أأسجد له وهو طين أي أصله طين . 62 - قالَ أَ رَأَيْتَكَ الكاف لا موضع لها لأنها ذكرت للخطاب تأكيدا هذَا مفعول به والمعنى أخبرني عن هذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ « 5 » أي فضلته ، لم كرّمته عليّ و أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ « 6 » فحذف ذلك اختصارا لدلالة ما تقدّم عليه ، ثم ابتدأ فقال لَئِنْ أَخَّرْتَنِ وبلا ياء كوفي وشامي ، واللام موطئة للقسم المحذوف إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ لأستأصلنّهم بإغوائهم إِلَّا قَلِيلًا وهم المخلصون ، قيل من كلّ ألف واحد ، وإنما علم الملعون ذلك بالإعلام ، أو لأنه رأى أنه خلق شهواني .

--> ( 1 ) الصافات : 37 / 91 . ( 2 ) النحل ، 16 / 27 . القصص : 28 / 62 و 74 . ( 3 ) في ( ز ) آكلها . ( 4 ) الواقعة ، 56 / 51 - 53 . ( 5 ) في ( ز ) وقال أرأيتك هذا الذي . . . كَرَّمْتَ عَلَيَّ فاعدنا تقسيم الآية كما في ( أ ) و ( ظ ) . ( 6 ) الأعراف ، 7 / 12 . ص ، 38 / 76 .