عبد الله بن أحمد النسفي

438

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 117 إلى 119 ] مَتاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 117 ) وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 118 ) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( 119 ) ولا تقولوا الكذب لما تصفه ألسنتكم من البهائم بالحلّ والحرمة في قولكم : ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا « 1 » من غير استناد ذلك الوصف إلى الوحي ، أو إلى القياس المستنبط منه ، واللام مثلها في قولك لا تقولوا لما أحلّ اللّه هو حرام وقوله هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ بدل من الكذب ، ولك أن تنصب الكذب بتصف وتجعل ما مصدرية وتعلق هذا حلال وهذا حرام بلا تقولوا ، أي ولا تقولوا هذا حلال وهذا حرام ، وهذا لوصف ألسنتكم الكذب ، أي ولا تحرموا ولا تحللوا لأجل قول تنطق به ألسنتكم ويجول في أفواهكم لا لأجل حجة وبينة ولكن قول ساذج ودعوى بلا برهان ، وقوله تصف ألسنتكم الكذب من فصيح الكلام جعل قولهم كأنه عين الكذب ، فإذا نطقت به ألسنتهم فقد حلّت الكذب بحليته وصوّرته بصورته كقولك وجهها يصف الجمال وعينها تصف السحر ، واللام في لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ من التعليل الذي لا يتضمن معنى الغرض إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ . 117 - مَتاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ هو خبر مبتدأ محذوف ، أي منفعتهم فيما هم عليه من أفعال الجاهلية منفعة قليلة وعذابها عظيم . 118 - وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ في سورة الأنعام ، يعني وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ « 2 » الآية وَما ظَلَمْناهُمْ بالتحريم وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ فحرّمنا عليهم عقوبة على معاصيهم . 119 - ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ في موضع الحال ، أي عملوا السوء جاهلين غير متدبرين للعاقبة لغلبة الشهوة عليهم ، ومرادهم لذة الهوى لا عصيان المولى ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها من بعد التوبة لَغَفُورٌ بتكفير ما كثّروا قبل من الجرائم رَحِيمٌ بتوثيق ما وثقوا بعد من العزائم .

--> ( 1 ) الأنعام ، 6 / 139 . ( 2 ) الأنعام ، 6 / 146 .