عبد الله بن أحمد النسفي

433

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 102 إلى 103 ] قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ ( 102 ) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ( 103 ) 102 - قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ أي جبريل عليه السّلام ، أضيف إلى القدس وهو الطهر كما يقال حاتم الجود ، والمراد الروح المقدّس وحاتم الجواد ، والمقدّس المطهّر من المآثم مِنْ رَبِّكَ من عنده وأمره بِالْحَقِّ حال ، أي نزّله ملتبسا بالحكمة لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا ليبلوهم بالنسخ حتى إذا قالوا فيه هو الحقّ من ربّنا ، والحكمة لأنه حكيم لا يفعل إلا ما هو حكمة وصواب ، حكم لهم بثبات القدم وصحة اليقين وطمأنينة القلوب وَهُدىً وَبُشْرى مفعول لهما معطوفان على محلّ ليثبّت ، والتقدير تثبيتا لهم وإرشادا وبشارة لِلْمُسْلِمِينَ وفيه تعريض بحصول أضداد هذه الخصال لغيرهم . 103 - وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ أرادوا به غلاما كان لحويطب « 1 » قد أسلم وحسن إسلامه ، اسمه عائش أو يعيش ، وكان صاحب كتب ، أو هو جبر غلام روميّ لعامر بن الحضرمي « 2 » ، أو عبدان : جبر ويسار ، كانا يقرآن التوراة والإنجيل ، فكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يسمع ما يقرآن ، أو سلمان الفارسي « 3 » لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ وبفتح الياء والحاء حمزة وعليّ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ أي لسان الرجل الذي يميلون قولهم عن الاستقامة إليه لسان أعجمي غير بيّن ، وهذا القرآن لسان عربي مبين ، ذو بيان وفصاحة ، ردا لقولهم ، وإبطالا لطعنهم ، وهذه الجملة أعني لسان الذي يلحدون إليه أعجمي لا محلّ لها ، لأنها مستأنفة جواب لقولهم ، واللسان اللغة ، ويقال ألحد القبر ولحده وهو ملحد وملحود

--> ( 1 ) حويطب : هو حويطب بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبد ودّ من بني عامر بن لؤي ، صحابي قرشي من المعمرين ، تجاوز المائة حارب الإسلام إلى أن فتحت مكة فأسلم ، كان من أهل مكة فانتقل إلى المدينة ومات بها عام 54 ه ( الأعلام 2 / 289 ) . ( 2 ) عامر بن الحضرمي بن عباد بن أكبر بن ربيعة ، أخ العلاء وعمرو وميمون قتل يوم بدر كافرا ( تاريخ الإسلام - عهد الخلفاء الراشدين ) . ( 3 ) سلمان الفارسي ، صحابي أصله من مجوس أصبهان استعبده بنو كلب واشتراه رجل من قريظة وجاء به إلى المدينة ، سمع النبي عليه السّلام وهو الذي أشار بحفر الخندق مات عام 36 ه ( الأعلام 3 / 112 ) . تفسير النسفي ج 2 / م 28