عبد الله بن أحمد النسفي
430
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 92 إلى 94 ] وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ( 92 ) وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 93 ) وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 94 ) 92 - وَلا تَكُونُوا في نقض الأيمان كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ كالمرأة التي أنحت « 1 » على غزلها بعد أن أحكمته وأبرمته فجعلته أَنْكاثاً جمع نكث ، وهو ما ينكث فتله ، قيل هي ريطة « 2 » ، وكانت حمقاء تغزل هي وجواريها من الغداة إلى الظهر ثم تأمرهنّ فينقضن ما غزلن تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ حال كأنكاثا دَخَلًا أحد مفعولي اتخذ « 3 » ، أي ولا تنقضوا أيمانكم متخذيها دخلا بَيْنَكُمْ أي مفسدة وخيانة أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ بسبب أن تكون أمة يعني جماعة قريش هِيَ أَرْبى أزيد عددا وأوفر مالا مِنْ أُمَّةٍ من جماعة المؤمنين « 4 » . هي أربى مبتدأ وخبر ، في موضع الرفع صفة لأمة ، وأمة فاعل تكون ، وهي تامة ، وهي ليست بفصل لوقوعها بين نكرتين إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ الضمير للمصدر أي إنما يختبركم بكونهم أربى لينظر أتتمسكون بحبل الوفاء بعهد اللّه وما وكّدتهم من أيمان البيعة لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أم تغترّون بكثرة قريش وثروتهم وقلة المؤمنين وفقرهم وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ إذا جازاكم على أعمالكم بالثواب والعقاب ، وفيه تحذير عن مخالفة ملّة الإسلام . 93 - وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً حنيفة مسلمة وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ من علم منه اختيار الضلالة وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ من علم منه اختيار الهداية وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يوم القيامة فتجزون به . 94 - وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ كرر النهي عن اتخاذ الأيمان دخلا بينهم تأكيدا عليهم وإظهارا لعظمه فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها فتزل أقدامكم عن محجّة
--> ( 1 ) نحا اللبن ينحيه وينحاه مخضه والشيء أزاله ( القاموس 4 / 394 ) . ( 2 ) الريطة الملاءة إذا كانت قطعة واحدة ولم تكن لفقين والجمع ريط ورياط . ( 3 ) في ( ز ) تتخذ . ( 4 ) في ( ز ) هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ هي أزيد عددا وأوفر مالا من أمة من جماعة المؤمنين .