عبد الله بن أحمد النسفي
420
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 67 إلى 68 ] وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 67 ) وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ( 68 ) في بطونه مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً أي يخلق اللّه اللبن وسيطا بين الفرث والدم يكتنفانه ، وبينه وبينهما برزخ لا يبغي أحدهما عليه بلون ولا طعم ولا رائحة بل هو خالص من ذلك كلّه ، قيل إذا أكلت البهيمة العلف فاستقرّ في كرشها طبخته ، فكان أسفله فرثا وأوسطه لبنا وأعلاه دما ، والكبد مسلّطة على هذه الأصناف الثلاثة تقسمها فتجري الدم في العروق واللبن في الضروع ويبقى الفرث في الكرش ، ثم ينحدر ، وفي ذلك عبرة لمن اعتبر ، وسئل شقيق عن الإخلاص فقال : تمييز العمل من العيوب كتمييز اللبن من بين فرث ودم سائِغاً لِلشَّارِبِينَ سهل المرور في الحلق ، ويقال لم يغص أحد باللبن قط ، ومن الأولى للتبعيض لأن اللبن بعض ما في بطونها ، والثانية لابتداء الغاية . 67 - ويتعلق وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ بمحذوف تقديره ونسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب أي من عصيرها « 1 » ، وحذف لدلالة نسقيكم قبل « 2 » عليه ، وقوله تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً بيان وكشف عن كنه الإسقاء ، أو تتخذون ومنه من تكرير الظرف للتوكيد ، والضمير في منه يرجع إلى المضاف المحذوف الذي هو العصير ، والسكر الخمر سميت بالمصدر من سكر سكرا وسكرا نحو رشد رشدا ورشدا ، ثم فيه وجهان أحدهما أنّ الآية سابقة على تحريم الخمر فتكون منسوخة ، وثانيهما أن يجمع بين العتاب والمنة ، وقيل السّكر النبيذ وهو عصير العنب والزبيب والتمر إذا طبخ حتى يذهب ثلثاه ثم يترك حتى يشتدّ ، وهو حلال عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما اللّه إلى حدّ السّكر ، ويحتجان بهذه الآية وبقوله عليه السّلام : ( الخمر حرام لعينها والسّكر من كلّ شراب ) « 3 » وبأخبار جمة وَرِزْقاً حَسَناً هو الخلّ والرّبّ والتمر والزبيب وغير ذلك إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ . 68 - وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ وألهم أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً هي أن المفسرة ، لأنّ الإيحاء فيه معنى القول ، قال الزّجّاج : واحد النحل نحلة كنخل ونخلة والتأنيث
--> ( 1 ) في ( ز ) عصيرهما . ( 2 ) في ( ظ ) و ( ز ) قبله . ( 3 ) النسائي من حديث ابن عباس رضي اللّه عنهما مرفوعا .