عبد الله بن أحمد النسفي
416
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 51 إلى 54 ] وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ( 51 ) وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ واصِباً أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ ( 52 ) وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ ( 53 ) ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ( 54 ) وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ * « 1 » وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ وفيه دليل على أنّ الملائكة مكلّفون مدارون على الأمر والنهي ، وأنهم بين الخوف والرجاء . 51 - وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فإن قلت إنما جمعوا بين العدد والمعدود فيما وراء الواحد والاثنين ، فقالوا عندي رجال ثلاثة ، لأن المعدود عار عن الدلالة على العدد الخاص ، فأما رجل ورجلان فمعدودان فيهما دلالة على العدد ، فلا حاجة إلى أن يقال رجل واحد ورجلان اثنان ، قلت الاسم الحامل لمعنى الإفراد والتثنية دال على شيئين على الجنسية والعدد المخصوص ، فإذا أريدت الدلالة على أنّ المعنيّ به منهما هو العدد شفع بما يؤكده ، فدلّ به على القصد إليه ، والعناية به ، ألا ترى أنك لو قلت إنما هو إله ولم تؤكده بواحد لم يحسن ، وخيّل أنك تثبت الإلهية لا الوحدانية فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ نقل الكلام عن الغيبة إلى التكلّم ، وهو من طريقة الالتفات ، وهو أبلغ في الترغيب من قوله فإياه فارهبوه « 2 » . فارهبوني يعقوب . 52 - وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ أي الطاعة واصِباً واجبا ثابتا لأنّ كلّ نعمة منه ، فالطاعة واجبة له على كلّ منعم عليه ، وهو حال عمل فيه الظرف ، أو وله الجزاء دائما يعني الثواب والعقاب أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ . 53 - وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ وأي شيء اتصل بكم من نعمة ، عافية ، وغنى ، وخصب فَمِنَ اللَّهِ فهو من اللّه ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ المرض ، والفقر ، والجدب فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ فما تتضرعون إلّا إليه ، والجؤار رفع الصوت بالدعاء والاستغاثة . 54 - ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ الخطاب في وما بكم من نعمة إن كان عاما فالمراد بالفريق الكفرة ، وإن كان الخطاب للمشركين فقوله منكم للبيان لا للتبعيض ، كأنه قال فإذا فريق كافر وهم أنتم ، ويجوز أن يكون فيهم من اعتبر كقوله : فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ « 3 » .
--> ( 1 ) الأنعام ، 6 / 18 و 61 . ( 2 ) في ( ظ ) و ( ز ) فإياي فارهبوا . ( 3 ) لقمان ، 31 / 32 .