عبد الله بن أحمد النسفي
408
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 17 إلى 21 ] أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ( 17 ) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( 18 ) وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ ( 19 ) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ ( 20 ) أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ( 21 ) يكن مثله لغيرهم ، فكان الشكر أوجب عليهم ، والاعتبار ألزم لهم فخصّصوا . 17 - أَ فَمَنْ يَخْلُقُ أي اللّه تعالى كَمَنْ لا يَخْلُقُ أي الأصنام وجيء بمن الذي هو لأولي العلم لزعمهم حيث سمّوها آلهة وعبدوها فأجروها مجرى أولي العلم ، أو لأنّ المعنى أنّ من يخلق ليس كمن لا يخلق من أولي العلم فكيف بما لا علم عنده ؟ وإنما لم يقل أفمن لا يخلق كمن يخلق مع اقتضاء المقام بظاهره إياه لكونه إلزاما للذين عبدوا الأوثان وسموها آلهة تشبيها باللّه ، لأنهم حين جعلوا غير اللّه مثل اللّه في تسميته باسمه والعبادة له فقد جعلوا اللّه من جنس المخلوقات وشبيها بها ، فأنكر عليهم ذلك بقوله أفمن يخلق كمن لا يخلق وهو حجة على المعتزلة في خلق الأفعال أَ فَلا تَذَكَّرُونَ فتعرفون فساد ما أنتم عليه . 18 - وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها لا تضبطوا عددها ولا تبلغه طاقتكم فضلا أن تطيقوا القيام بحقها من أداء الشكر ، وإنما اتبع ذلك ما عدّد من نعمه تنبيها على أنّ ما وراءها لا ينحصر ولا يعدّ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ يتجاوز عن تقصيركم في أداء شكر النعمة ولا يقطعها عنكم لتفريطكم . 19 - وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ من أقوالكم وأفعالكم ، وهو وعيد . 20 - وَالَّذِينَ يَدْعُونَ والآلهة الذين يدعوهم الكفار مِنْ دُونِ اللَّهِ وبالتاء غير عاصم لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ . 21 - أَمُوتُ أي هم أموات غَيْرُ أَحْياءٍ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ نفى عنهم خصائص الإلهية بنفي كونهم خالقين ، وأحياء لا يموتون ، وعالمين بوقت البعث ، وأثبت لهم صفات الخلق بأنهم مخلوقون أموات جاهلون بالغيب « 1 » ومعنى أموات غير أحياء أنهم لو كانوا آلهة على الحقيقة لكانوا أحياء غير أموات ، أي غير جائز عليهم « 2 » الموت وأمرهم بالعكس من ذلك ، والضمير في يبعثون للداعين ، أي لا يشعرون متى تبعث عبدتهم ، وفيه تهكم بالمشركين ، وأنّ آلهتهم لا يعلمون وقت
--> ( 1 ) في ( ز ) بالبعث . ( 2 ) في ( أ ) عليه ، وفي ( ز ) عليها .