عبد الله بن أحمد النسفي

386

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 3 إلى 6 ] ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ( 3 ) وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ ( 4 ) ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ ( 5 ) وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ( 6 ) أهل اللغة لأنها وضعت للتقليل . 3 - ذَرْهُمْ أمر إهانة ، أي اقطع طمعك من ارعوائهم ودعهم عن النهي عما هم عليه والصّدّ عنه بالتذكرة والنصيحة وخلّهم يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا بدنياهم وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ ويشغلهم أملهم وأمانيّهم عن الإيمان فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ سوء صنيعهم ، وفيه تنبيه على أنّ إيثار التلذذ والتنعّم وما يؤدي إليه طول الأمل ليس من أخلاق المؤمنين . 4 - وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ ولها كتاب جملة واقعة صفة لقرية ، والقياس أن لا يتوسط الواو بينهما كما في وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ « 1 » وإنما توسطت لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف إذ الصفة ملتصقة بالموصوف بلا واو فجيء بالواو تأكيدا لذلك ، والوجه أن تكون هذه الجملة حالا لقرية لكونها في حكم الموصوفة كأنه قيل وما أهلكنا قرية من القرى لا وصفا ، وقوله كتاب معلوم أي مكتوب معلوم ، وهو أجلها الذي كتب في اللوح المحفوظ وبيّن ، ألا ترى إلى قوله : 5 - ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها في موضع كتابها وَما يَسْتَأْخِرُونَ عنه « 2 » ، وحذف لأنه معلوم ، وأنّث الأمّة أولا ثم ذكّرها آخرا حملا على اللفظ والمعنى . 6 - وَقالُوا أي الكفار يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ أي القرآن إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ يعنون محمدا عليه السّلام ، وكان هذا النداء منهم على وجه الاستهزاء كما قال فرعون : إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ « 3 » كيف يقرون بنزول الذكر عليه وينسبونه إلى الجنون ، والتعكيس في كلامهم للاستهزاء والتهكم سائغ ، ومنه : فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ * « 4 » إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ « 5 » والمعنى إنك لتقول قول المجانين حيث تدّعي أنّ اللّه نزّل عليك الذكر .

--> ( 1 ) الشعراء ، 26 / 208 . ( 2 ) في ( ز ) أي عنه . ( 3 ) الشعراء ، 26 / 27 . ( 4 ) آل عمران ، 3 / 21 . والتوبة ، 9 / 34 . والانشقاق ، 84 / 24 . ( 5 ) هود ، 11 / 87 .