عبد الله بن أحمد النسفي

355

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ مبتغين حلية فهو مصدر في موضع الحال من الضمير في توقدون أَوْ مَتاعٍ من الحديد والنّحاس والرّصاص يتّخذ منها الأواني وما يتمتّع به في الحضر والسفر ، وهو معطوف على حلية أي زينة من الذهب والفضة زَبَدٌ خبث وهو مبتدأ مِثْلُهُ نعت له ، ومما توقدون خبر له أي لهذه الفلزّات إذا أغليت زبد مثل زبد الماء كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ أي مثل الحقّ والباطل فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً حال ، أي متلاشيا وهو ما تقذفه القدر عند الغليان والبحر عند الطغيان ، والجفء الرمي ، وجفأت الرجل صرعته وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ من الماء والحليّ والأواني فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ فيثبت الماء في العيون والآبار والحبوب والثمار ، وكذلك الجواهر تبقى في الأرض مدة طويلة كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ ليظهر الحقّ من الباطل ، وقيل هذا مثل ضربه اللّه للحقّ وأهله والباطل وحزبه ، فمثّل الحقّ وأهله بالماء الذي ينزله « 1 » من السماء فتسيل به أودية الناس فيحيون به وينفعهم أنواع « 2 » المنافع وبالفلزّ الذي ينتفعون به في صوغ الحليّ منه واتخاذ الأواني والآلات المختلفة وإن ذلك « 3 » ماكث في الأرض باق بقاء ظاهرا ، يثبت الماء في منافعه وكذلك الجواهر تبقى أزمنة متطاولة ، وشبّه الباطل في سرعة اضمحلاله ووشك زواله بزبد السيل الذي يرمي به ، وبزبد الفلزّ الذي يطفو فوقه إذا أذيب وقال الجمهور : وهذا مثل ضربه اللّه تعالى للقرآن والقلوب والحقّ والباطل ، فالماء القرآن نزل لحياة الجنان كالماء للأبدان ، والأودية للقلوب ، ومعنى بقدرها سعة القلب وضيقه ، والزبد هواجس النفس ووساوس الشيطان ، والماء الصافي المنتفع به مثل الحقّ ، فكما يذهب الزبد باطلا ويبقى صفو الماء كذلك تذهب هواجس النفس ووساوس الشيطان ويبقى الحقّ كما هو ، وأما حلية الذهب والفضة فمثل للأحوال السنية والأخلاق الزكية ، وأما متاع الحديد والنّحاس والرّصاص فمثل للأعمال الممدّة بالإخلاص المعدّة للخلاص ، فإنّ الأعمال جالبة للثواب دافعة للعقاب ، كما أنّ تلك الجواهر بعضها أداة النفع في الكسب « 4 » وبعضها آلة الدفع في الحرب ، وأما الزبد فالرياء والخلل « 5 » والملل والكسل .

--> ( 1 ) في ( ز ) ينزل . ( 2 ) في ( ز ) بأنواع . ( 3 ) في ( ز ) المختلفات وذلك . ( 4 ) في ( ظ ) و ( ز ) للكسب . ( 5 ) الخلل : الفساد في الأمر .