عبد الله بن أحمد النسفي

330

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 67 إلى 68 ] وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ( 67 ) وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 68 ) يعني لا تمتنعون « 1 » منه لعلة من العلل إلّا لعلة واحدة وهي « 2 » أن يحاط بكم ، فهو استثناء من أعمّ العام في المفعول له ، والاستثناء من أعمّ العامّ لا يكون إلا في النفي فلا بدّ من تأويله بالنفي فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قيل حلفوا باللّه ربّ محمد عليه السّلام قالَ قال بعضهم يسكت عليه ، لأن المعنى قال يعقوب اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ من طلب الموثق وإعطائه وَكِيلٌ رقيب مطلع ، غير أنّ السكتة تفصل بين القول والمقول ، وذا لا يجوز فالأولى أن يفرّق بينهما بالصوت فيقصد بقوة النغمة اسم اللّه . 67 - وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ الجمهور على أنه خاف عليهم العين لجمالهم وجلالة أمرهم ، ولم يأمرهم بالتفرّق في الكرّة الأولى لأنهم كانوا مجهولين في الكرّة الأولى ، فالعين حقّ عندنا وجوده « 3 » بأن يحدث اللّه تعالى عند النظر إلى الشيء والإعجاب به نقصانا فيه وخللا ، وكان النبي صلى اللّه عليه وسلم يعوّذ الحسن والحسين رضي اللّه عنهما فيقول : ( أعيذكما بكلمات اللّه التامة من كلّ هامة ومن كلّ عين لامة ) « 4 » وأنكر الجبائي « 5 » العين وهو مردود بما ذكرنا ، وقيل إنه أحبّ أن لا يفطن بهم أعداؤهم فيحتالوا لإهلاكهم وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ أي إن كان اللّه أراد بكم سوءا لم ينفعكم ولم يدفع عنكم ما أشرت به عليكم من التفرق وهو مصيبكم لا محالة إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ التوكل تفويض الأمر إلى اللّه تعالى والاعتماد عليه . 68 - وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ أي متفرقين ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ دخولهم من أبواب متفرقة مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ أي شيئا قط حيث أصابهم ما

--> ( 1 ) في ( ز ) تمتنعوا . ( 2 ) في ( ز ) وهو . ( 3 ) في ( ز ) وجه . ( 4 ) البخاري وأصحاب السنن عن ابن عباس ، هذا وأتم منه . ( 5 ) الجبائي : هو محمد بن عبد الوهاب بن سلام الجبائي ، أبو علي ، من معتزلة البصرة ورئيس علماء الكلام في عصره ، انفرد عن أصحابه بمسائل ولد عام 235 ه ومات عام 303 ه ( الملل والنحل - الباب الأول - الفصل الأول ، الأعلام 6 / 256 ) .