عبد الله بن أحمد النسفي

325

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة يوسف ( 12 ) : آية 54 ] وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ ( 54 ) يأمر بالسوء ويحمل عليه بما فيه « 1 » من الشهوات إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي إلا البعض الذي رحمه ربي بالعصمة ، ويجوز أن يكون ما رحم في معنى الزمان ، أي إلا وقت رحمة ربي ، يعني أنها أمّارة بالسوء في كلّ وقت إلا وقت العصمة ، أو هو استثناء منقطع ، أي ولكنّ رحمة ربي هي التي تصرف الإساءة ، وقيل هو من كلام امرأة العزيز ، أي ذلك الذي قلت ليعلم يوسف أني لم أخنه ولم أكذب عليه في حال الغيبة ، وجئت بالصدق فيما سئلت عنه ، وما أبرئ نفسي مع ذلك من الخيانة ، فإني قد خنته حين قذفته وقلت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلّا أن يسجن وأودعته السجن ، تريد الاعتذار مما كان منها ، إنّ كلّ نفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إلّا نفسا رحمها اللّه بالعصمة كنفس يوسف إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ استغفرت ربّها واسترحمته مما ارتكبت ، وإنما جعل من كلام يوسف ولا دليل عليه ظاهر لأنّ المعنى يقود إليه ، وقيل هذا من تقديم القرآن وتأخيره ، أي قوله ذلك ليعلم متصل بقوله فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطّعن أيديهن . 54 - وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي أجعله خالصا لنفسي فَلَمَّا كَلَّمَهُ وشاهد منه ما لم يحتسب قالَ الملك ليوسف إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ ذو مكانة ومنزلة ، أمين مؤتمن على كلّ شيء ، روي أنّ الرسول جاءه ومعه سبعون حاجبا وسبعون مركبا وبعث إليه لباس الملوك ، فقال أجب الملك ، فخرج من السجن ودعا لأهله : اللهم عطّف عليهم قلوب الأخيار ولا تعمّ عليهم الأخبار فهم أعلم الناس بالأخبار في الواقعات ، وكتب على باب السجن هذه منازل البلواء وقبور الأحياء وشماتة الأعداء وتجربة الأصدقاء ، ثم اغتسل وتنظف من درن السجن ولبس ثيابا جددا ، فلما دخل على الملك قال : اللهم إني أسألك بخيرك من خيره وأعوذ بعزتك وقدرتك من شرّه ، ثم سلّم عليه ودعا له بالعبرانية ، فقال : ما هذا اللسان ؟ قال : لسان آبائي ، وكان الملك يتكلم بسبعين لسانا فكلّمه بها ، فأجابه بجميعها ، فتعجّب منه ، وقال : أيها الصدّيق إني أحبّ أن أسمع رؤياي منك ، قال : رأيت بقرات فوصف لونهن وأحوالهن ومكان خروجهن ووصف السنابل وما كان منها على الهيئة التي رآها الملك ، وقال له : من حقّك أن تجمع الطعام في الأهراء ، فيأتيك الخلق من

--> ( 1 ) في ( ظ ) و ( ز ) لما فيه .