عبد الله بن أحمد النسفي

318

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 37 إلى 38 ] قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ ( 37 ) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ( 38 ) الحزين ، وتوسّع على الفقير ، فأحسن إلينا بتأويل ما رأينا ، وقيل إنهما تحالما له ليمتحناه ، فقال الشرابي : إني رأيت كأني في بستان فإذا بأصل حبلة « 1 » عليها ثلاثة عناقيد من عنب ، فقطفتها وعصرتها في كأس الملك وسقيته ، وقال الخباز : إني رأيت كأنّ فوق رأسي ثلاث سلال فيها أنواع الأطعمة ، فإذا سباع الطير تنهش منها . 37 - قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ أي لبيان ماهيته وكيفيته ، لأنّ ذلك يشبه تفسير المشكل قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ولمّا استعبراه ووصفاه بالإحسان افترض ذلك ، فوصل به وصف نفسه بما هو فوق علم العلماء ، وهو الإخبار بالغيب ، وأنه ينبّئهما بما يحمل إليهما من الطعام في السجن قبل أن يأتيهما ، ويصفه لهما ويقول اليوم يأتيكما طعام من صفته كيت وكيت فيكون كذلك ، وجعل ذلك تخلصا إلى أن يذكر لهما التوحيد ويعرض عليهما الإيمان ويزيّنه لهما ويقبّح إليهما الشرك ، وفيه أنّ العالم إذا جهلت منزلته في العلم فوصف نفسه بما هو بصدده ، وغرضه أن يقتبس منه لم يكن من باب التزكية ذلِكُما إشارة لهما إلى التأويل ، أي ذلك التأويل والإخبار بالمغيبات مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي وأوحى به إليّ ولم أقله عن تكهن وتنجّم إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ يجوز أن يكون كلاما مبتدأ وأن يكون تعليلا لما قبله ، أي علّمني ذلك وأوحى به إليّ لأني رفضت ملة أولئك وهم أهل مصر ومن كان الفتيان على دينهم . 38 - وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وهي الملة الحنيفية ، وتكرير هم للتوكيد ، وذكر الآباء ليريهما أنه من بيت النبوة بعد أن عرّفهما أنه نبي « 2 » بما ذكر من إخباره بالغيوب ليقوّي رغبتهما في اتّباع قوله ، والمراد به التّرك ابتداء « 3 » لا أنه كان فيه ثم تركه ما كانَ لَنا ما صحّ لنا معشر الأنبياء أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ

--> ( 1 ) الحبلة : الكرم أو أصل من أصوله ( القاموس 3 / 354 ) . ( 2 ) زاد في ( ز ) يوحى إليه . ( 3 ) في ( ز ) ترك الابتداء .