عبد الله بن أحمد النسفي

284

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 76 إلى 78 ] يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ ( 76 ) وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ ( 77 ) وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَ لَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ ( 78 ) ممن آذاه ، الصفوح « 1 » عمن عصاه أَوَّاهٌ كثير التأوه من خوف اللّه مُنِيبٌ تائب راجع إلى اللّه ، وهذه الصفات دالة على رقة القلب والرأفة والرحمة ، فبيّن أنّ ذلك مما حمله على المجادلة فيهم رجاء أن يرفع عنهم العذاب ويمهلوا لعلهم يحدثون التوبة كما حمله على الاستغفار لأبيه ، فقالت الملائكة : 76 - يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا الجدال وإن كانت الرحمة ديدنك إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ قضاؤه وحكمه وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ لا يردّ بجدال وغير ذلك ، عذاب مرتفع باسم الفاعل وهو آتيهم تقديره وإنهم يأتيهم ، ثم خرجوا من عند إبراهيم متوجهين نحو قوم لوط ، وكان بين قرية إبراهيم وقوم لوط أربعة فراسخ . 77 - وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً لما أتوه ورأى هيئاتهم وجمالهم سِيءَ بِهِمْ أحزن لأنه حسب أنهم إنس فخاف عليهم خبث قومه وأن يعجز عن مقاومتهم ومدافعتهم وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً تمييز ، أي وضاق بمكانهم صدره وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ شديد ، روي أنّ اللّه تعالى قال لهم : لا تهلكوهم حتى يشهد عليهم لوط أربع شهادات ، فلما مشى معهم منطلقا بهم إلى منزله قال لهم : أما بلغكم أمر هذه القرية ؟ قالوا : وما أمرهم ، قال : أشهد باللّه إنها لشر قرية في الأرض عملا ، قال ذلك أربع مرات فدخلوا معه منزله ولم يعلم بذلك أحد ، فخرجت امرأته فأخبرت بهم قومها . 78 - وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ يسرعون كأنما يدفعون دفعا وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ ومن قبل ذلك الوقت كانوا يعملون الفواحش حتى مرنوا عليها وقلّ عندهم استقباحها ، فلذلك جاءوا يهرعون مجاهرين لا يكفّهم حياء قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي فتزوّجوهنّ ، أراد أن يقي أضيافه ببناته وذلك غاية الكرم ، وكان تزويج المسلمات من الكفار جائزا في ذلك الوقت ، كما جاز في الابتداء في هذه الأمة ، فقد

--> ( 1 ) في ( ز ) صفوح .