عبد الله بن أحمد النسفي
278
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 55 إلى 57 ] مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ ( 55 ) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 56 ) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ( 57 ) إلّا قولا واحدا وهو قولهم اعتراك ، أصابك بعض آلهتنا بسوء ، بجنون وخبل ، وتقديره ما نقول « 1 » قولا إلّا هذه المقالة أي إلّا « 2 » قولنا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ . 55 - مِنْ دُونِهِ أي من إشراككم آلهة من دونه ، والمعنى إني أشهد اللّه أني بريء مما تشركون ، واشهدوا أنتم أيضا إني بريء من ذلك ، وجيء به على لفظ الأمر بالشهادة كما يقول الرجل لمن يبس الثرى « 3 » بينه وبينه أشهد على أني لا أحبّك تهكما به واستهانة بحاله فَكِيدُونِي جَمِيعاً أنتم وآلهتكم ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ لا تمهلون ، فإني لا أبالي بكم وبكيدكم ، ولا أخاف معرّتكم وإن تعاونتم عليّ ، وكيف تضرّني آلهتكم وما هي إلا جماد لا يضرّ ولا ينفع ، وكيف تنتقم مني إذا نلت منها وصددت عن عبادتها بأن تخبّلني وتذهب بعقلي . 56 - إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها أي مالكها ، ولما ذكر توكّله على اللّه وثقته بحفظه وكلاءته من كيدهم وصفه بما يوجب التوكل عليه من اشتمال ربوبيته عليه وعليهم ، ومن كون كلّ دابة في قبضته وملكته وتحت قهره وسلطانه ، والأخذ بالناصية تمثيل لذلك إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ إنّ ربي على الحقّ لا يعدل عنه ، أو إنّ ربي يدلّ على صراط مستقيم . 57 - فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ هو في موضع فقد ثبتت الحجة عليكم وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ كلام مستأنف ، أي ويهلككم اللّه ويجيء بقوم آخرين يخلفونكم في دياركم وأموالكم وَلا تَضُرُّونَهُ بتولّيكم شَيْئاً من ضرر قط ، إذ لا يجوز عليه المضارّ وإنما تضرّون أنفسكم إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ رقيب عليه مهيمن فما تخفى عليه أعمالكم ولا يغفل عن مؤاخذتكم ، أو من كان رقيبا على الأشياء كلّها حافظا لها وكانت الأشياء مفتقرة إلى حفظه عن المضارّ لم يضر مثله مثلكم .
--> ( 1 ) في ( ز ) وتقدير ما نقول . ( 2 ) سقطت من ( ز ) . ( 3 ) يبس الثرى : جف التراب ، يعني ساءت العلاقة بينهما .