عبد الله بن أحمد النسفي

273

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

أرض ويا سماء على سبيل الاستعارة للشبه المذكور ، ثم استعار لغور الماء في الأرض البلع الذي هو أعمال الجاذبة في المطعوم للشبه بينهما وهو الذهاب إلى مقر خفي ، ثم استعار الماء للغذاء تشبيها له بالغذاء لتقوى الأرض بالماء في الإنبات كتقوّي الآكل بالطعام ، ثم قال ماءك بإضافة الماء إلى الأرض على سبيل المجاز لاتصال الماء بالأرض كاتصال الملك بالمالك ، ثم اختار لاحتباس المطر الإقلاع الذي هو ترك الفاعل الفعل للشبه بينهما في عدم التأتي « 1 » ، ثم قال وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا ، ولم يصرح بمن أغاض الماء ولا بمن قضى الأمر وسوّى السفينة وقال بعدا ، كما لم يصرح بقائل يا أرض ويا سماء سلوكا في كلّ واحد من ذلك لسبيل الكناية ، وأنّ تلك الأمور العظام لا تكون إلا بفعل فاعل قادر وتكوين مكوّن قاهر ، وأنّ فاعلها واحد لا يشارك في فعله فلا يذهب الوهم إلى أن يقول غيره يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي ، ولا أن يكون الغائض والقاضي والمسوّي غيره ، ثم ختم الكلام بالتعريض تنبيها لسالكي مسلكهم في تكذيب الرسل ظلما لأنفسهم إظهارا لمكان السخط وأنّ ذلك العذاب الشديد ما كان إلّا لظلمهم . ومن جهة علم المعاني وهو النظر في فائدة كلّ كلمة فيها ، وجهة كلّ تقديم وتأخير فيما بين جملها ، وذلك أنه اختير يا دون أخواتها لكونها أكثر استعمالا ولدلالتها على بعد المنادى الذي يستدعيه مقام إظهار العظمة والملكوت وإبداء العزة والجبروت ، وهو تبعيد المنادى المؤذن بالتهاون به ولم يقل يا أرضي لزيادة التهاون إذ الإضافة تستدعي القرب ، ولم يقل يا أيتها الأرض للاختصار ، واختير لفظ الأرض والسماء لكونهما أخفّ وأدور ، واختير ابلعي على ابتلعي لكونه أخصر وللتجانس بينه وبين أقلعي ، وقيل أقلعي ولم يقل عن المطر ، وكذا لم يقل يا أرض ابلعي ماءك فبلعت ويا سماء أقلعي فأقلعت اختصارا ، واختير غيض على غيّض ، وقيل الماء دون أن يقال « 2 » ماء الطوفان ، والأمر ولم يقل أمر نوح وقومه لقصد الاختصار والاستغناء بحرف العهد عن ذلك ، ولم يقل وسوّيت على الجودي أي أقرّت على نحو قيل وغيض اعتبارا لبناء الفعل للفاعل مع السفينة في قوله وهي تجري بهم إرادة للمطابقة ، ثم قيل بعدا للقوم ولم يقل ليبعد القوم طلبا للتأكيد مع الاختصار ، هذا من حيث النظر إلى تركيب الكلم ، وأما من حيث النظر إلى ترتيب الجمل فذلك أنه قدّم النداء على الأمر فقيل يا أرض ابلعي ويا سماء أقلعي ولم يقل ابلعي يا أرض وأقلعي يا سماء جريا

--> ( 1 ) في ( ظ ) و ( ز ) التأني ، بالنون . ( 2 ) في ( ز ) يقول . تفسير النسفي ج 2 / م 18