عبد الله بن أحمد النسفي

227

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 21 إلى 22 ] وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ ( 21 ) هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ( 22 ) الْمُنْتَظِرِينَ لما يفعل اللّه بكم لعنادكم وجحودكم الآيات . 21 - وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ أهل مكة رَحْمَةً خصبا وسعة مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ يعني القحط والجوع إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا أي مكروا بآياتنا بدفعها وإنكارها . روي أنه تعالى سلّط القحط سبع سنين على أهل مكة حتى كادوا يهلكون ، ثم رحمهم بالحياة ، فلما رحمهم طفقوا يطعنون في آيات اللّه ويعادون رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ويكيدونه ، فإذا الأولى للشرط والثانية جوابها ، وهي للمفاجأة ، وهو كقوله : وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ « 1 » أي وإن تصبهم سيئة قنطوا ، وإذا أذقنا الناس رحمة مكروا ، والمكر إخفاء الكيد وطيّه ، من الجارية الممكورة المطويّة الخلق ، ومعنى مستهم خالطتهم حتى أحسوا بسوء أثرها فيهم ، وإنما قال قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً ولم يصفهم بسرعة المكر لأنّ كلمة المفاجأة دلّت على ذلك ، كأنه قال وإذا رحمناهم من بعد ضراء فاجئوا وقوع المكر منهم وسارعوا إليه قبل أن يغسلوا رؤوسهم من مسّ الضّراء إِنَّ رُسُلَنا يعني الحفظة يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ إعلام بأنّ ما تظنونه خافيا لا يخفى على اللّه وهو منتقم منكم ، وبالياء سهل . 22 - هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ يجعلكم قادرين على قطع المسافات بالأرجل والدواب والفلك الجارية في البحار ، أو يخلق فيكم السير ، ينشركم شامي حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ أي السفن وَجَرَيْنَ أي السفن بِهِمْ بمن فيها رجوع من الخطاب إلى الغيبة للمبالغة بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ لينة الهبوب لا ضعيفة ولا عاصفة « 2 » وَفَرِحُوا بِها بتلك الريح للينها واستقامتها جاءَتْها أي الفلك أو الريح الطيبة ، أي تلقّتها رِيحٌ عاصِفٌ ذات عصف أي شديدة الهبوب وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ هو ما علا على الماء مِنْ كُلِّ مَكانٍ من البحر ، أو من جميع أمكنة الموج وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ

--> ( 1 ) الروم ، 30 / 36 . ( 2 ) في ( ز ) لا عاصفة ولا ضعيفة .