عبد الله بن أحمد النسفي
213
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 115 إلى 117 ] وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 115 ) إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ( 116 ) لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ( 117 ) 115 - وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ أي ما أمر اللّه باتقائه واجتنابه ، كالاستغفار للمشركين وغيره مما نهى عنه ، وبيّن أنه محظور لا يؤاخذ به عباده الذين هداهم للإسلام ولا يخذلهم إلا إذا أقدموا عليه بعد بيان حظره وعلمهم بأنه واجب الامتثال « 1 » ، وأما قبل العلم والبيان فلا ، وهذا بيان لعذر من خاف المؤاخذة بالاستغفار للمشركين ، والمراد بما يتقون ما يجب اتقاؤه للنهي ، فأمّا ما يعلم بالعقل فغير موقوف على التوقيف إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . 116 - إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ . 117 - لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ أي تاب عليه بإذنه « 2 » للمنافقين في التخلّف عنه ، كقوله : عَفَا اللَّهُ عَنْكَ « 3 » وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ فيه بعث للمؤمنين على التوبة وأنّه ما من مؤمن إلّا وهو محتاج إلى التوبة والاستغفار حتى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم والمهاجرين والأنصار الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ في غزوة تبوك ، ومعناه في وقتها ، والساعة مستعملة في معنى الزمان المطلق ، وكانوا في عسرة من الظّهر « 4 » يعتقب العشرة على بعير واحد ، ومن الزاد تزوّدوا التمر المدوّد والشعير المسوّس والإهالة « 5 » الزّنخة ، وبلغت بهم الشدة حتى اقتسم بالتمرة اثنان ، وربما مصّها الجماعة ليشربوا عليها الماء ، ومن الماء حتى نحروا الإبل وعصروا كرشه « 6 » وشربوه ، وفي شدة زمان من حارّة « 7 » القيظ ، ومن الجدب والقحط « 8 » مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ
--> ( 1 ) أي الامتثال للنهي ، وفي ( ظ ) و ( ز ) الاجتناب . ( 2 ) في ( ز ) من إذنه . ( 3 ) سبق ذكرها ، الآية رقم 43 . ( 4 ) أي الدواب من خيل وبغال وجمال . ( 5 ) الإهالة : الشحم أو ما أذيب منه أو الزيت وكل ما ائتدم به ( القاموس 3 / 331 ) . ( 6 ) في ( ز ) كرشها . ( 7 ) في ( ظ ) و ( ز ) حمارّة . ( 8 ) في ( ز ) القطّ .