عبد الله بن أحمد النسفي
199
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 81 ] فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ ( 81 ) فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ والسبعون جار مجرى المثل في كلامهم للتكثير وليس على التحديد والغاية ، إذ لو استغفر لهم مدة حياته لن يغفر اللّه لهم ، لأنهم كفار واللّه لا يغفر لمن كفر به ، والمعنى وإن بالغت في الاستغفار فلن يغفر اللّه لهم ، وقد وردت الأخبار بذكر السبعين وكلّها تدلّ على الكثرة لا على التحديد والغاية ، ووجه تخصيص السبعين من بين سائر الأعداد أنّ العدد قليل وكثير ، فالقليل ما دون الثلاث والكثير الثلاث فما فوقها ، وأدنى الكثير الثلاث وليس لأقصاه غاية ، والعدد أيضا نوعان : شفع ووتر ، وأول الأشفاع اثنان وأول الأوتار ثلاثة ، والواحد ليس بعدد والسبعة أول الجمع الكثير من النوعين ، لأن فيها أوتارا ثلاثة وأشفاعا ثلاثة ، والعشرة كمال الحساب لأن ما جاوز العشرة فهو إضافة الآحاد إلى العشرة ، وكقولك اثنا عشر وثلاثة عشرة إلى عشرين ، والعشرون تكرير العشرة مرتين ، والثلاثون تكريرها ثلاث مرات ، وكذلك إلى مائة ، فالسبعون يجمع الكثرة والنوع والكثرة منه ، وكمال الحساب والكثرة منه ، فصار السبعون أدنى الكثير من العدد من كلّ وجه ولا غاية لأقصاه ، فجاز أن يكون تخصيص السبعين لهذا المعنى ، واللّه أعلم ذلِكَ إشارة إلى اليأس من المغفرة بِأَنَّهُمْ بسبب أنهم كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ولا غفران للكافرين وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ الخارجين عن الإيمان ما داموا مختارين للكفر والطغيان . 81 - فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ المنافقون الذين استأذنوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأذن لهم وخلّفهم بالمدينة في غزوة تبوك ، والذين خلّفهم كسلهم ونفاقهم والشيطان بِمَقْعَدِهِمْ بقعودهم عن الغزو خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ مخالفة له ، وهو مفعول له ، أو حال ، أي قعدوا لمخالفته أو مخالفين له وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي لم يفعلوا ما فعله المؤمنون من بذل أموالهم وأرواحهم في سبيل اللّه ، وكيف لا يكرهونه وما فيهم ما في المؤمنين من باعث الإيمان وداعي الإيقان وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قال بعضهم لبعض ، أو قالوا للمؤمنين « 1 » قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ استجهال لهم ، لأنّ من تصوّن من مشقة ساعة فوقع بسبب ذلك التّصوّن في مشقة الأبد كان أجهل من كلّ جاهل .
--> ( 1 ) زاد في ( ظ ) و ( ز ) تثبيطا .