عبد الله بن أحمد النسفي

94

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

39 / 56 - 57 56 - أَنْ تَقُولَ لئلّا تقول نَفْسٌ إنما نكّرت لأنّ المراد بها بعض الأنفس ، وهي نفس الكافر ، ويجوز أن يراد نفس متميزة من الأنفس إما بلجاج في الكفر شديد أو بعذاب عظيم ، ويجوز أن يراد التكثير يا حَسْرَتى الألف بدل من ياء المتكلّم ، وقرئ : يا حسرتي على الأصل ، ويا حسرتاي على الجمع بين العوض والمعوّض منه عَلى ما فَرَّطْتُ قصّرت ، وما مصدرية مثلها في : بِما رَحُبَتْ « 1 » فِي جَنْبِ اللَّهِ في أمر اللّه ، أو في طاعة اللّه ، أو في ذاته ، وفي حرف عبد اللّه في ذكر اللّه ، والجنب الجانب يقال : أنا في جنب فلان وجانبه « 2 » ، وفلان ليّن الجنب والجانب « 3 » ، ثم قالوا : فرّط في جنبه وفي جانبه يريدون في حقّه ، وهذا من باب الكناية لأنّك إذا أثبتّ الأمر في مكان الرجل وحيّزه فقد أثبتّه فيه ، ومنه الحديث : ( من الشرك الخفي أن يصلي الرجل لمكان الرجل ، أي لأجله ) « 4 » وقال الزّجّاج : معناه فرّطت « 5 » في طريق اللّه وهو توحيده والإقرار بنبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ المستهزئين . قال قتادة : لم يكفه أن ضيّع طاعة اللّه حتى سخر من أهلها ، ومحلّ وإن كنت النصب على الحال كأنه قال . فرّطت وأنا ساخر ، أي فرّطت في حال سخريّتي . 57 - أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي أي أعطاني الهداية لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ من الذين يتّقون الشرك . قال الشيخ الإمام أبو منصور رحمه اللّه تعالى : هذا الكافر أعرف بهداية اللّه من المعتزلة ، وكذا أولئك الكفرة الذين قالوا لأتباعهم : لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ « 6 » يقولون : لو وفقنا اللّه للهداية وأعطانا الهدى لدعوناكم إليه ، ولكن علم منا اختيار الضلالة والغواية فخذلنا ولم يوفقنا ، والمعتزلة يقولون : بل هداهم وأعطاهم التوفيق لكنهم لم يهتدوا ، والحاصل أنّ عند اللّه لطفا من أعطي ذلك اهتدى ، وهو التوفيق والعصمة ومن لم يعطه ضلّ وغوى ، وكان استيجابه « 7 » العذاب وتضييعه الحقّ بعد ما مكّن من تحصيله لذلك .

--> ( 1 ) التوبة ، 9 / 25 و 118 . ( 2 ) في ( ظ ) و ( ز ) زاد وناحيته . ( 3 ) في ( ظ ) و ( ز ) الجانب والجنب . ( 4 ) أحمد وإسحاق والبزار والحاكم والبيهقي . ( 5 ) في ( ز ) فرط . ( 6 ) إبراهيم ، 14 / 21 . ( 7 ) في ( ز ) استحبابه .