عبد الله بن أحمد النسفي
83
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
39 / 23 23 - اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ في إيقاع اسم اللّه مبتدأ ، وبناء نزّل عليه تفخيم لأحسن الحديث كِتاباً بدل من أحسن الحديث أو حال منه مُتَشابِهاً يشبه بعضه بعضا في الصدق والبيان والوعظ والحكمة والإعجاز وغير ذلك مَثانِيَ نعت كتابا ، جمع مثنى بمعنى مردّد ، ومكرّر لما ثنّى من قصصه وأنبائه ، وأحكامه وأوامره ونواهيه ، ووعده ووعيده ، ومواعظه ، فهو بيان لكونه متشابها لأنّ القصص المكرّرة وغيرها لا تكون إلا متشابهة ، وقيل لأنه يثنّى في التلاوة فلا يملّ ، وإنما جاز وصف الواحد بالجمع لأنّ الكتاب جملة ذات تفاصيل ، وتفاصيل الشيء هي جملته ، ألا تراك تقول القرآن أسباع وسور « 1 » وآيات ، فكذلك تقول : أقاصيص وأحكام ومواعظ مكرّرات ، أو منصوب على التمييز من متشابها كما تقول رأيت رجلا حسنا شمائل ، والمعنى متشابهة مثانية تَقْشَعِرُّ تضطرب وتتحرك مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ يقال اقشعرّ الجلد إذا تقبّض تقبّضا شديدا ، والمعنى أنهم إذا سمعوا بالقرآن وبآيات وعيده أصابتهم خشية تقشعرّ منها جلودهم ، وفي الحديث : ( إذا اقشعرّ جلد المؤمن من خشية اللّه تحاتّت عنه ذنوبه كما يتحات عن الشجرة اليابسة ورقها ) « 2 » ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ أي إذا ذكرت آيات الرحمة لانت جلودهم وقلوبهم وزال عنها ما كان بها من الخشية والقشعريرة ، وعدّي بإلى لتضمنه معنى فعل متعد بإلى ، كأنه قيل اطمأنت إلى ذكر اللّه لينة غير متقبّضة ، واقتصر على ذكر اللّه من غير ذكر الرحمة ، لأنّ رحمته سبقت غضبه فلأصالة رحمته إذا ذكر اللّه لم يخطر بالبال إلا كونه رؤوفا رحيما ، وذكرت الجلود وحدها أولا ثم قرنت بها القلوب ثانيا لأن محلّ الخشية القلب ، فكان ذكرها يتضمن ذكر القلوب ذلِكَ إشارة إلى الكتاب وهو هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ من عباده وهو من علم منه « 3 » اختيار الاهتداء وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ بخلق الضلالة فيه فَما لَهُ مِنْ هادٍ إلى الحقّ .
--> ( 1 ) في ( ظ ) و ( ز ) وأخماس وسور . ( 2 ) كنز العمال 3 / 5879 . ( 3 ) في ( ظ ) و ( ز ) منهم .